الشيخ الطبرسي
584
تفسير جوامع الجامع
ذلك الوَقْتِ بفَتْحِ أَبوابِ الرِّزْقِ عليهم ، أو : لِفُقَراءِ الأَزْواجِ إنْ أَنْفَقُوا مَا قَدرُوا عليهِ ولَمْ يُقَصِّروا . ( وَكَأَيِّن ) أي : وكَمْ مِن أَهْلِ ( قَرْيَة ) أَعْرَضُوا ( عَنْ أَمْرِ ) رَبِّهِم عُتُوّاً وعِنَاداً ، وجَاوَزُوا الحَدَّ في المخَالَفَةِ ( حِسَاباً شَدِيداً ) بالاستقْصَاءِ والمناقَشَةِ ( عَذَاباً نُّكْراً ) أي : مُنْكَراً عَظِيماً . والمُرادُ : حِسَابُ الآخِرَةِ وعَذَابُها وما يَذُوقُونَ فيها من الوَبَالِ ، ويَلْقَوْنَ من الخُسْرانِ ، وَجِيءَ بِهِ على لَفْظِ المَاضي كَقَولِهِ : ( وَنَادَى أَصْحَبُ الْجَنَّةِ . . . وَنَادَى أَصْحَبُ الْنَّارِ ) ( 1 ) ونَحْوُ ذلكَ ، لأنَّ ما هو كائِنٌ فَكَان . قَدْ ( أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ) تَكريرٌ للتَّوعيدِ ، وبَيَانٌ لكُوْنِهِ مُتَرَقَّباً ، ويَجُوزُ أَن يُرادَ إحْصَاءُ السَّيِّئاتِ عَلَيهم في الدُّنْيا وهو إثْباتُها في صَحَائِفِ أَعْمالِهِم ، وإعْدَادُ العَذَابِ الشَّديدِ ( 2 ) لَهُم في الآخِرَةِ ، وأَن يكُونَ ( عَتَتْ ) وَمَا عُطِفَ عليهِ صِفَةً للقَرْيَةِ ، و ( أَعَدَّ اللهُ ) جَوابٌ لِ ( كَأَيِّنْ ) . ( رَسُولاً ) هو جبرئيلُ ( عليه السلام ) ، أُبْدِلَ من ( ذِكْراً ) لأنَّه وُصِفَ بِتِلاَوَةِ آياتِ اللهِ عَزَّ اسمُهُ ، فكانَ إنْزالُهُ في معنَى إنْزالِ الذِّكْرِ ، فَلِذلك صَحَّ إبْدَالُهُ منْهُ ، أو : أُرِيدَ بالذِّكْرِ الشَرَفُ كَمَا في قَولِهِ : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) ( 3 ) ، فَأُبْدِلَ منْهُ ، كأَنَّهُ في نَفْسِهِ شَرَفٌ ، إِمَّا لأنَّهُ شَرَفٌ للمُنْزَلِ عليهِ وإِمَّا لأنَّهُ ذُو شَرَف ومَجْد عنْدَ اللهِ ، أو : أُرِيدَ : ذَا ذِكْر ، أي : مَلَكاً مذْكُوراً في الأُمَمِ ، أو : دَلَّ قَولُهُ : ( أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً ) على : أَرْسَلَ ، فكَأَنَّهُ قَالَ : أَرْسَلَ رَسُولاً ، أو : أَعْمَلَ ( ذِكْراً ) في ( رَسُولاً ) ( 4 ) أي : أَنْزَلَ اللهُ أَنْ ذَكَرَ رَسُولاً أو : ذَكَرَهُ رَسُولاً ، ويَجُوزُ أَن يكُونَ المُرادُ على هذا بِقَولِهِ : ( رَسُولاً )
--> ( 1 ) الأعراف : 44 و 50 . ( 2 ) في نسخة : " الشدائد " بدل " العذاب الشديد " . ( 3 ) الزخرف : 44 . ( 4 ) أي : إِعمال المصدر في المفاعيل . كذا في الكشّاف .