الشيخ الطبرسي

543

تفسير جوامع الجامع

كتابٌ من حَاطِب إلَى المشركينَ ، فَخُذُوهُ منْها ، فَخَرجوا حتَّى أَدركُوها في ذلك المَكَانِ فَجَحدَتْ وحَلَفَتْ ، فَهَمُّوا بالرُّجُوعِ ، فَقَالَ عليٌّ ( عليه السلام ) : واللهِ ما كَذِبْنَا ولا كَذِبَ رَسُولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وَسَلَّ سيْفَهُ وقَالَ : أخرُجِي الكتابَ وإلاَّ - واللهِ - لأَضْرِبَنَّ عُنُقَكِ ، فأَخْرَجَتْهُ من عِقَاصِ شَعْرِها ( 1 ) . ورُوِي : أنَّ حَاطِباً قَالَ : يا رَسُولَ الله ، واللهِ ما كَفَرْتُ منذُ أَسْلَمْتُ ، ولكنِّي كنتُ عَزيزاً في قُريش - أي : غَريباً - ولَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفَسِها ، وَكُلُّ مَنْ مَعَكَ من المهاجرينَ لَهُم قَراباتٌ بمكَّةَ يحمُون أَهَالِيهم وأمْوالَهُم ، فأَرَدْتُ أَن أتَّخِذَ عنْدَهُم يَداً ، وقَد عَلِمْتُ أنَّ اللهَ تعالى يُنْزِلُ عَلَيهم بأْسَهُ ، وأَنَّ كتابي لا يُغْني عَنْهم شيئاً ، فَعَذَّرَهُ ( 2 ) . " العدُّو " وَقَعَ مَوْقعَ الجَمْعِ ( تُلْقونَ ) حَالٌ من الضَّميرِ في ( لاَ تَتَّخِذُواْ ) ، أَو صِفَةٌ ل‍ ( أَوْلِيَآء ) ، أو استِئْنَافٌ . والإِلْقَاءُ : عبارةٌ عن إيْصَالِ المَوَدَّةِ والإِفْضَاءِ بها إليهِم ، والباءُ في ( بِالْمَوَدَّةِ ) إِمَّا مَزيدَةٌ مؤَكِّدَةٌ للتَّعَدِّي مِثْلُها في قَولِهِ : ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُم إِلَى التَّهْلُكَةِ ) ( 3 ) ، وإِمَّا ثَابتَةٌ علَى أنَّ مَفْعُولَ ( تُلْقُونَ ) محذُوفٌ ، مَعْنَاهُ : تُلْقُونَ إليهم أَخْبارَ الرَّسُولِ بسَبَبِ المَودَّةِ الَّتي بينَكُم وبينَهُم . وكذلك قَولُهُ : ( تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ) أي : تُفْضُونَ إليهم بِمَودَّتِكُم سِرّاً ، أو : تُسِرُّونَ إليهم أَسْرارَ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بسَبَبِ المَوَدَّةِ ( وَقَدْ كَفَرُواْ ) حَالٌ من ( تُلْقُونَ ) ، أي : تُوادُّونَهُم وهذه حَالُهُم ( يُخْرِجُونَ الْرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ) هو كالتَّفْسيرِ لِكُفْرِهِم ، أو : حَالٌ من ( كَفَرُواْ ) ، و ( أَنْ تُؤْمِنُواْ ) تَعليلُ ل‍ ( يُخْرِجُونَ ) أي : يُخْرِجُونَكُم لإِيْمانِكُم ( إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ ) شَرْطٌ جَوابُهُ مَحذُوفٌ لدَلاَلةِ مَا قَبلَهُ عليهِ ، وهو متَعَلّقٌ ب‍ ( لاَ تَتَّخِذُواْ ) . والمعنى : إنْ كنْتُم أَوليَائي فَلاَ تَتَولَّوا أَعْدائي ( تُسِرُّونَ إِلَيْهِم

--> ( 1 ) أُنظر أسباب النزول للواحدي : ص 358 ح 863 . ( 2 ) رواه عبيد الله بن أبي رافع عن عليٍّ ( عليه السلام ) . راجع المصدر السابق : 864 . ( 3 ) البقرة : 195 .