الشيخ الطبرسي

544

تفسير جوامع الجامع

بِالْمَوَدَّةِ ) استِئنَافٌ والمعنى : أيُّ فائِدَة في إسْرارِكُم وقَد عَلِمْتُم أنَّ الإِخْفاءَ والإِعْلاَنَ سَيَّانٌ في عِلْمي ، وأَنا أُطْلِعُ رَسُولي على ما تُسِرُّونَه ؟ ( وَمَنْ ) يَفْعَلْ هذا الإِسْرارَ فَقَد أَخْطَأَ طَريقَ الحقِّ وَجَازَ عن القَصْدِ . ( إِنْ يَثْقَفُوكُمْ ) أي : يَظْفرُوا بِكُم ( يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً ) خَالِصِي العَدَاوةِ ( وَيَبْسُطُواْ إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ ) بالقتَالِ والشَّتْمِ ، وتمنَّوا ( لَوْ ) تَرتَدُّونَ عن دينِكُم . ( لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ ) أي : أَقْربَاؤُكُم ( وَلاَ أوْلَدُكُمْ ) الذينَ تُوالُونَ الكفَّارَ بِسَبَبِهِم ، وتَتَقرَّبُونَ إليهِم من أجْلِهِم ، ثمَّ قَالَ : ( يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) وبَيْنَ أَقَارِبِكُم وأَولادِكُم ، فَمَا لَكُم عَصَيْتُم اللهَ لأَجلِهِم ؟ ! وقُرِئ : ( يَفْصِلُ ) و " يُفَصِّلُ " ( 1 ) على البناءِ للفاعلِ وهو اللهُ عزَّ وَجَلَّ ، أي : يُميِّزُ بَعْضَكُم من بَعْض في ذلكَ اليَوْمِ ، فَلا يَرَى القَريبُ المؤْمن في الجنَّةِ قَريبَهُ الكَافِرَ في النَّارِ ، وقيلَ : معنَاهُ : يَقْضِي بينَكُم من : فَصْلِ القَضَاءِ ( 2 ) . ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ ) أي : قُدْوَةٌ ( حَسَنَةٌ ) وَمَذْهَبٌ حَسَنٌ يُؤْتى بِهِ ويُتَّبَعُ أَثَرُهُ ( فِي إِبْرَهِيمَ ) وقَومِهِ ، وهو قَولُهُم لكفَّارِ قَومِهِم حَيثُ كاشَفُوهُم بالعَداوَةِ : ( إِنَّا بُرَءَؤُاْ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ ) - هُ من الأَصنَامِ ، أو : وَمِنْ عبَادَتِكُم ، أي : لا نَعْتَدُّ بشأْنِكُم ولا بشَأْنِ آلهتِكُم ، وما أَنْتُم عنْدَنا على شَىْء ، والسَّبَبُ في عَداوتِنَا إيَّاكُم كُفْرُكُم باللهِ ( كَفَرْنَا بِكُمْ ) أي : جَحَدْنَا دينَكُم ، والعَدَاوَةُ قَائِمَةٌ ( بَيْنَنَا وبَيْنَكُم ) حتَّى تُصَدِّقُوا بوحْدانيَّةِ اللهِ . ( إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَهِيمَ ) استِثْنَاءٌ من قَولِهِ : ( أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) لأنَّ المُرادَ بالأُسْوَةِ الحَسَنَةِ قَولُهُم الذي يَجبُ أَن يؤْتى بِهِ ويُتَّخَذَ سُنَّةً ، أي : فَلاَ تَقْتَدوا

--> ( 1 ) قرأه حمزة والكسائي بالتشديد وكسر الصاد على البناء للفاعل . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 633 . ( 2 ) حكاه السمرقندي في تفسيره : ج 3 ص 352 .