الشيخ الطبرسي

327

تفسير جوامع الجامع

ثُمَّ رَجَعَ سبحانَهُ إلى ذِكرِ مَنْ ذَكَرَهُم في أوَّلِ السُّورةِ من كُفَّارِ قُرَيْش ، فَقَالَ : ( إِنَّ هَؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِىَ ) أي : ما المَوْتَةُ ( إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولَى ) نَموتُها في الدُّنيا ثمَّ لا بَعْثَ بَعدَها ( وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ) بمَبْعُوثينَ ولا مُعَادينَ . ( فَأْتُواْ بِآبَائِنَا ) الَّذينَ ماتُوا قَبلَنا وأَعِيدُوهُم ( إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ ) في أَنَّ اللهُ يُعيدُ الأَمْواتَ ، وقَائِلُهُ أَبو جَهْل قَالَ : إنْ كُنْتَ صَادِقاً فابْعَثْ جدَّكَ قُصَيَّ بنَ كلاَب ! ! وهذا جَهْلٌ من أبي جَهْل ؛ لأنَّ النَشْأَةَ الثانيةَ إنَّما وَجبَتَ للجَزَاءِ لا للتَّكليفِ ، وليسَتْ هذه الدَّارُ بدارِ جَزَاء بَلْ دَارُ تَكْليف ، فكأَنَّه قَالَ : إنْ كُنْتَ صَادِقاً في إعادتِهِم للجَزَاءِ فأَعِدْهُم للتَّكليفِ ! ! فلذلكَ عَدَلَ عن مقَابلتِهِ إلَى الوعيدِ والوَعْظِ بما هُو أَعْوَدُ عليهِ فَقيلَ : ( أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّع ) أي : أَهُمْ أكثرُ عَدَداً وعُدَّةً ونعمةً وقوةً ؟ ! كقَولِهِ : ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ ) ( 1 ) بَعدَ ذِكْرِ آلِ فِرْعَوْنَ ، وهو تُبَّعُ الحِمْيَريُّ ، كانَ مؤْمِناً وقَومُهُ كافِرينَ ، وهو الذي سارَ بالجيُوشِ حتَّى حيَّرَ الحيرةَ ، ثمَّ أتى سَمَرْقَنْدَ فَهَدَمَها ثمَّ بَنَاها ، وكانَ إذا كَتَبَ كَتَبَ : " باسمِ الله الَّذي مَلَكَ بَرّاً وبَحْراً وضحاً وريحاً " ذَمَّ اللهُ قَوْمَهُ ولَمْ يذمَّهُ . وعن الصَّادقِ ( عليه السلام ) : أنَّ تُبَّعَ قَالَ للأَوْسِ والخَزْرجِ : كونُوا هاهنا حتَّى يخْرُجَ هذا النبيُّ ، أمَّا أَنَا فَلَوْ أَدْركْتُهُ لَخَدَمْتُهُ وخَرَجْتُ مَعَه ( 2 ) . ( وَمَا بَيْنَهُمَا ) يُريدُ : وما بينَ الجِنْسَيْنِ . ( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ ) ميقَاتُ حسابِهِم وجَزَائِهِم ( أَجْمَعِينَ ) . ( يَوْمَ لا يُغْنِى مَوْلىً ) أَيُّ مَولىً كَانَ من قرابة وغَيرِهَا ( عَنْ ) أَيِّ ( مَوْلىً ) كانَ شَيئاً من إِغْناء ( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) الضَّميرُ للمَوَالي ؛ لأنَّهم في المعنى كثيرٌ لِتَناوِلَ اللَّفْظِ على الإِبْهامِ والشِّياعِ كُلّ مولىً . ( مَنْ رَّحِمَ اللهُ )

--> ( 1 ) القمر : 43 . ( 2 ) رواه الصدوق في كمال الدين : ج 1 ص 170 ح 26 .