الشيخ الطبرسي
290
تفسير جوامع الجامع
( وَجَزَؤُاْ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) سمَّى سبحانَهُ كِلْتَا الفِعْلَتَيْنِ : الأُولى وجَزَاءَها سيِّئةً ؛ لأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ . ومعنَاهُ : أَنَّه إذا قُوبِلَتِ الإِساءةُ وَجَبَ أَن يُقَابَلَ بِمثْلِها من غَيْرِ زيادة ( فَمَنْ عَفَا ) عمَّا لَهُ المؤَاخَذَة بِهِ ( وَأَصْلَحَ ) أَمْرَهُ فيما بينَهُ وبين ربِّهِ ، أو : بينَهُ وبينَ خَصْمِهِ بالعَفْوِ والإِغْضَاءِ ( فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ ) عِدَّةٌ مُبْهَمَةٌ لا يُحَاطُ بكُنْهِهَا في العِظَمِ ( إِنَّه لاَ يُحِبُّ الْظَّلِمينَ ) فيه دَلالةٌ على أنَّ الانتصارَ لا يُؤْمَنُ فيهِ تَجاوزُ النَّصَفةِ والسَويَّةِ والاعتداءِ ، ولا سيَّما في حالِ الغَضَبِ ، فَرُبَّما كانَ المنتصرُ ظَالِماً من حيثُ لا يَشْعُرُ . وفي الحديثِ : " إذا كانَ يَومُ القيامةِ نَادى مُنَاد : مَنْ كانَ أَجْرُهُ على اللهِ فَلْيَدخُل الجنَّة ، فَيقَالُ : مَن ذا الَّذي أَجْرُهُ على اللهِ ؟ فَيقَالُ : العَافُونَ عن النَّاسِ يدخُلُونَ الجنَّةَ بغيرِ حِسَاب " ( 1 ) . ( بَعْدَ ظُلْمِهِ ) أَضَافَ المَصْدَرَ إلى المفعُولِ ، أَي : بَعْدَ أَن ظُلِمَ وَتُعُدِّيَ عليهِ ( فَأولَئِكَ ) إشَارةٌ إلى معنى " مَنْ " دونَ لَفْظِهِ ( مَا عَلَيْهِمْ مِّنْ سَبِيل ) للمُعَاقِبِ ولا للعَائِبِ ( إنَّمَا السَّبيلُ ) أي : العِقَابُ والذَّمُّ ( عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ الْنَّاسَ ) ابتِدَاءً . ( وَلَمَنْ صَبَرَ ) على الظُّلْمِ والأَذَى ( وغَفَر ) ولَمْ يَنْتَصِرْ ( إِنَّ ذلِكَ ) الصَّبْرَ والمغْفِرَةَ منْهُ ( لَمِنْ عَزْمِ الاُْمُورِ ) وحُذِفَ الراجِعُ ؛ للعِلْمِ بهِ كَمَا حُذِفَ من قَولِهِم : السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهَم ، وعَزْمُ الأُمُورِ : هو الأَخْذُ بأَعْلاها في بَابِ نَيْلِ الثَّوابِ والأَ جْرِ . ( خَشِعِينَ ) متَواضِعينَ متَضَائِلينَ ممَّا يَلْحَقُهُم ( مِنَ الْذّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْف خَفِيٍّ ) أي : يَبْتَدِئُ نَظَرُهُم من تَحْريك ضَعيف لأَجْفَانِهِم ، خفيٍّ بمُسَارَقَة ، كَمَا تَرَى المَصبُورَ ( 2 ) يَنْظُرُ إلى السَّيفِ لا يَمْلأُ أجْفَانَهُ منْهُ كَمَا يَفْعَلُهُ النَّاظِرُ إلى
--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر : ج 7 ص 359 وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس . ( 2 ) المصبور : المحبوس للقتل ( لسان العرب : مادة صبر ) .