الشيخ الطبرسي
263
تفسير جوامع الجامع
يَعْمَلُونَ ( 20 ) وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَىْء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 ) وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَرُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 ) وَذَا لِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ ( 23 ) ) ( رِيحاً صَرْصَراً ) عَاصِفةً تُصَرْصِرُ ، أي : تُصوِّتُ ، والصَّرَّةُ : الصَّيْحَةُ ، وقيلَ : بارِدَةً تُحْرِقُ بِبَرْدِها ( 1 ) ، من الصَّرِّ وهو البَرْدُ الذي يَصُرُّ أي : يَجْمعُ ويَقْبضُ ( نَحِسَات ) قُرِئ بكسر الحاءِ وسكُونِها ( 2 ) ، يُقالُ : نَحِسَ نَحْساً فهو نَحِسٌ ، فالنَحْسُ يجوزُ أن يكُونَ مُخفَّفَ " نَحِسُ " ، وأَن يكُونَ وَصْفاً بالمصدرِ ، نَحْوُ : رَجُلٌ عَدْلٌ . و ( عَذَاب الْخِزْىِ ) أَضَافَ " العَذابَ " إلى " الخزي " وهو الذُلُّ والهَوان ، على أنَّه وَصْفٌ للعَذَابِ ، كأنَّه قَالَ : " عَذَاب خِزْي " كَمَا تقُولُ : " فِعْلُ السُّوءِ " تريدُ : الفِعْلَ السيِّئَ ، والدليلُ عليهِ قَولُهُ : ( وَلَعَذَابُ الأْخرة أخْزَى ) وهو أَبْلَغُ في الوَصْفِ ، فإنَّ قولَكَ : هو شاعِرٌ ، ولَهُ شِعْرُ شَاعِر ، بينَهما بَونٌ بعيدٌ . ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ ) أي : دَلَلْنَاهُم على طَرِيقَيِ الضَّلالةِ والرُّشْدِ ، وبيَّنَّا لَهُم سَبيلَي الخَيْرِ والشَّرِ ، كقَولِهِ : ( وَهَدَيْنهُ الَّنجْدَيْنِ ) ( 3 ) ، ( فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) فاختَارُوا الكُفْرَ على الإِيْمانِ ، والضَّلالَ على الرُّشْدِ ( فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ ) أي : قَارِعَةُ العذابِ ، وواهيةُ العذابِ ، و ( الْهُونِ ) : الهَوانِ ، وَصَفَ به العذَابَ مبالغةً أو أَبْدلَهُ منْهُ ، وفي هذا حجَّةٌ بالغةٌ على الْمُجَبَّرَةِ .
--> ( 1 ) قاله عكرمة وسعيد بن جبير كما في تفسير الماوردي : ج 5 ص 174 . ( 2 ) وبالسكون قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 576 . ( 3 ) البلد : 10 .