الشيخ الطبرسي

218

تفسير جوامع الجامع

الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ( 29 ) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ( 30 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( 31 ) ) ( قُرْءاناً عَرَبِيّاً ) حَالٌ مؤكِّدةٌ كَمَا يُقالُ : جاءَني زَيْدٌ رَجُلاً صَالِحَاً ، أو ينْتَصِبُ على المَدْحِ ( غَيْرَ ذِي عِوَج ) أي : مُستقيماً بَريئاً من التَّناقُض والاختلافِ ، والعِوَجُ مخصُوصٌ بالمَعَاني دونَ الأَعيانِ أي : رجلاً مملُوكاً قد اشتَركَ فيه شُرَكَاءٌ بينَهُم اختلافٌ وتَنَازعٌ ، كلُّ وَاحِد مِنْهُم يدَّعِي أنَّه عَبْدُهُ فَيَتَعَاوَرُونَهُ في خِدْمَتِهم ( وَرَجُلاً ) آخَرَ قَد سَلمَ لمالك واحد وخَلُصَ لَهُ ، فهو معتَمدٌ عليهِ فيما يُصْلِحُهُ ، فهمُّه واحِدٌ : أيُّ هذينِ العبدَيْنِ أَحْسَنُ حَالاً وأَصْلَحُ أَمراً . والمرادُ بذلكَ تَمثيلُ حَالِ مَنْ يُثْبِتُ آلهةً شتَّى ، وما يُلْزِمُهُ على قضيَّةِ مذهبِهِ من أن يدَّعي كلُّ واحد منهم عبوديَّتَهُ ويَتَشَاكسُوا في ذلك ويَتَغَالبُوا ، ويبقى هو متحيِّراً ضائِعَاً لا يدري أيَّهم يَعْبُدُ وعلى أيِّهم يعتَمِدُ ، وحالِ مَنْ لَمْ يُثْبِت إلاَّ إلهاً واحداً فهو قَائِمٌ بمَا كَلَّفَهُ ، عَارِفٌ بمَا أَرْضَاه وأَسْخَطَهُ ، و ( فيهِ ) تَعَلَّقَ ب‍ ( شُرَكَآء ) ، كأنَّهُ قَالَ : اشتَركوا فيهِ ، والتَّشاكُسُ والتَّشَاخُسُ : الاختلافُ ، يقَالُ : تَشَاكَسَتْ أَحوالُهُ وتَشَاخَسَتْ أَسنانُهُ ، والسَّالمُ : الخَالِصُ ، وقُرئ : ( سَلَماً ) وَ " سِلْماً " ( 1 ) وهُمَا مَصدَرَانِ ، يُقَالُ : سَلِمَ سَلَماً وَسَلْماً وسَلاَمةً ، والمعنى : ذا سَلاَمَة لرَجُل ، أي : ذا خُلُوص لَهُ من الشِّرْكَةِ مِنْ قَولِهِم : سَلِمَتْ لَهُ الضَّيعةُ . ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ) أي : صِفَةً منصوبٌ على التَّمييزِ ، والمعنى : هَلْ يستَوي صِفَتَاهُمَا وحَالاهُمَا ( اْلحَمْدُ للهِِ ) أي : يَجبُ أَن يكُونَ الحَمْدُ موجَّهَاً إلى اللهِ الَّذي لا شَريكَ له وَحْدَهُ دونَ كلِّ معبود سِوَاهُ ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) فَيشركُونَ بهِ غَيْرَهُ .

--> ( 1 ) وهي قراءة ابن كثير والبصريان ( أبي عمرو ويعقوب ) راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 647 .