الشيخ الطبرسي
200
تفسير جوامع الجامع
فيها ، ثمَّ فَسَّرَهَا ب ( ذِكْرَى الدَّارِ ) شَهادَةً لِذِكْرى الدَّار بالخُلُوصِ والصَّفاءِ ، وَأَنَّ الكُدورَةَ منتَفِيَةٌ عنها . وقُرئ : " بخَالِصَةِ ذِكْرى " على الإِضافةِ ( 1 ) ، والمعنى : بِمَا خَلُصَ من ذِكْرَى الدَّار ، على أنَّهم لا يشُوبُونَ ذِكْرَى الدَّارِ بهمٍّ آخر ، إنَّما هَمُّهُمْ ذِكْرَى الدَّارِ لاَ غَيْرَ ، ومعنى ( ذِكْرَى الدَّارِ ) : ذِكْرُهُم الآخِرَةَ دائماً ونِسْيَانُهُم إليها ذِكْرَ الدُّنيا ، أو : تَذْكيرُهُم الآخرةَ وتَرغيبُهُم فيها وتَزهيدُهُم في الدُّنيا كَمَا هو شَأْنُ الأنبياء ، وقيلَ : ذِكْرَى الدَّارِ : الثَّناءُ الجَميلُ في الدُّنيا ، وَلِسانُ الصِّدْقِ الّذي لَيس لِغَيْرِهِم ( 2 ) والمعنى : أَخْلَصْنَاهُم بِسَبَبِ هذه الخَصْلَةِ وبأنَّهُم من أَهْلِهَا ، أو : أَخْلَصْنَاهُم بتوفيقِهِم لَهَا . ( لَمِنَ المُصْطَفينَ ) أي : المُخْتَارينَ من بين أبناءِ جِنْسِهِم ( الأَخْيَار ) جَمْعُ خَيِّر أو خَيْر علَى التَّخفيفِ ، كأَمْوات في جَمْعِ " مَيِّت " أو " مَيْت " . ( وَالْيَسَعَ ) كَانَ حَرْفُ التَّعريفِ دَخَلَ على " يَسَع " ، وقُرئ : " واللَّيسَع " ( 3 ) كانَ حَرْفُ التَّعريفِ دَخَلَ علَى " الْيسَع " فَيْعَلُ من " اللَّسَع " ، والتَّنوينُ في ( وَكُلٌّ ) عِوَضٌ عن المُضَافِ إليهِ ، أي : وَكُلُّهُم من الأَخْيارِ . ( هذَا ذِكْرٌ ) أي : نَوعٌ من الذِّكْرِ وهو القُرآنُ ، ولمَّا أَجْرى ذِكْرَ الأنبياءِ وأتمّه قَالَ : ( هذَا ذِكْرٌ ) كَمَا يُقَالُ : هذا بَابٌ ، ثمَّ ذَكَرَ عَقيبَهُ الجنَّةَ وأَهْلَها فَقَالَ : ( وَإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآب ) أي : حُسْنَ مُنْقَلب ومَرْجِع ، ولمَّا أَتَمَّ ذِكْرَ الجنَّةِ وأَرادَ أَن يُعَقِّبَهُ بذِكْرِ أَهلِ النَّارِ قَالَ : ( هذَا وَإنَّ لِلطَّغِينَ لَشَرَّ مَآب ) ، وقيلَ : معناهُ : هذا ذِكرٌ جميلٌ وشَرفٌ يُذْكَرونَ به أَبَداً ( 4 ) . وعن ابن عبّاس : هذا ذِكْرُ مَن مَضَى من
--> ( 1 ) وهي قراءة نافع وحده . راجع المصدر السابق . ( 2 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 99 . ( 3 ) أي بلامين الأُولى ساكنة والثانية مفتوحة مشدّدة مع إسكان الياء ، قرأه حمزة والكسائي . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 404 . ( 4 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 100 .