الشيخ الطبرسي

148

تفسير جوامع الجامع

مَقَاصِدِهم كَمَا كانُوا يَستَبقُونَ إليهِ سَاعِينَ في متَصَرَّفَاتِهِم لَمْ يَقدرُوا ، فَكَيفَ ( يُبْصِرُونَ ) ويَعلَمُونَ جهةَ السُّلوكِ وَقَد أَعْمَينَاهُم ؟ وَالْمَكَانَةُ والمَكَانُ واحدٌ ، كالمَقَامَةِ والمَقَامِ . وقَرِئ ( عَلَى مَكَانَتِهِم ) وَ " مَكَانَاتِهِم " ( 1 ) علَى التَّوحيدِ والجَمْعِ ، أَي : لَمَسَخْنَاهُم مَسْخَاً يجمِدُهُم على مَكَانِهِم لا يقدرُونَ أَن يَبرحُوهُ ، بمضيٍّ ولا رجُوع بأَن يَجعَلَهُم حجَارةً ، وقيلَ : لَمَسخْنَاهُمْ قِرَدَةً وخَنَازيرَ في مَنازِلِهِم فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ( مُضِيَّاً ) عن العذابِ ولا رجُوعَاً إلى الخلقَةِ الأُولى بعد المَسْخ ( 2 ) . ( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ ننكسْهُ ) ( 3 ) أي : نُقلبْهُ في الخَلْقِ فَنَخْلقُهُ على عَكْسِ ما خَلَقْنَاهُ قَبلُ ، إذْ كانَ يَتَزايدُ في القوَّةِ والعقْلِ والعِلْمِ إلى أَن استكْمَلَ قوَّتَهُ وبَلَغَ أَشُدَّهُ ، وإذَا انتهى نَكسْنَاهُ في الخَلْقِ ، فَجَعَلْنَاهُ يَتَناقَصُ حتَّى يَرجعَ في حَال شَبيهة بحالِ الصَبيِّ في ضَعْفِ الجَسَدِ وقلّةِ العَقْلِ والعِلْمِ ، كَمَا يُنَكَّسُ السَّهْمُ فيُجْعَلُ أَعلاَهُ أَسفَلهُ ، كَمَا قَالَ : ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) ( 4 ) ثُمَّ ( يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْئاً ) ( 5 ) وقُرئ : " نُنَكّسْهُ " منَ التَنْكيسِ . ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ ) بتَعليمِ القُرآن ( الشِّعْرَ ) ومَعْنَاهُ : أنَّ القُرآنَ ليسَ بِشِعْر ، ولا منَاسَبة بينَه وبينَ الشِّعْرِ ، لأنَّ الشِّعْرَ كَلامٌ مَوزُونٌ مقَفَّىً ، وليسَ القُرآنُ منهُ في شيء ( وَمَا يَنْبَغِى لَهُ ) أي : وما يَصِحُّ لَه ، وما يَنْطَلِبُ لَو طلب ، فَلَو أَرادَ أن يقُولَ الشِّعْرَ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُ ولَمْ يَتَسَهَّلْ ، حتّى لو تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْر جَرَى على لسانِهِ منْكَسِراً ،

--> ( 1 ) وهي قراءة أبي بكر عن عاصم . راجع كتاب السبعة : ص 542 . ( 2 ) قاله ابن عباس في تفسيره : ص 272 . ( 3 ) يظهر من العبائر التالية أنّ القراءة المعتمدة عند المصنّف بالتخفيف وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر والكسائي وعاصم برواية . راجع كتاب السبعة : ص 543 . ( 4 ) التين : 5 . ( 5 ) الحجّ : 5 .