الشيخ الطبرسي
145
تفسير جوامع الجامع
والمَثَلُ : " صَدَقَني سِنُّ بَكْرِه " ( 1 ) ، أي : هو الَّذي وَعَدَهُ اللهُ في كُتُبِهِ المُنْزَلَةِ على أَلْسِنةِ رُسُلِهِ الصَّادقيِنَ ، ولَيسَ بِبَعثِ النّائمِ من مَرقَدِهِ بَل هو البَعْثُ الأكبرُ ، أَي : لَمْ تكنْ تلكَ المدَّةُ إلاَّ مدَّةَ صَيْحَة واحِدَة ، فإذَا الأوَّلُونَ والآخرونَ مجمُوعُونَ ( لَدَيْنَا ) في عَرَصَاتِ القيامةِ ، مُحَصَّلُونَ في موقفِ الحسَابِ ( فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ) . ( إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُل فَاكِهُونَ ) حكايةُ ما يُقالُ لَهُم في ذلك اليوم ، وفي مثْلِ هذهِ الحكَايةِ تَصويرٌ للموعُودِ ، وتَمكينٌ لَه في النفُوسِ ، وتَرغيبٌ في الحرْصِ علَى العَمَل بما يُثْمرُهُ ويؤدِّي إليهِ ( فِي شُغُل ) وقُرئ : " فِيَ شُغْل " بسكُونِ الغينِ ( 2 ) وهُمَا لُغَتان ، أَي : في أيِّ شُغل لا يُحَاطُ بوصْفِهِ ، وهو النَّعيمُ الَّذي شَملَهُم وشَغَلَهم عمَّا فيه أهلُ النَّار فَلاَ يَذْكُرونَهُم وإنْ كانُوا أَقَارِبَهم ، وقيلَ : شغلُوا بافتضاضِ العذَارى وباستماعِ الألْحَانِ ( 3 ) . وقُرئ : ( فَاكِهُونَ ) وَ " فَكِهُونَ " ( 4 ) والمعنى واحِدٌ ، أي : متنَعِّمُونَ متَلَذِّذُونَ ، ومِنْهُ الفاكهةُ لأنَّها مِمَّا يُتَلَذَّذُ به ، وقيلَ : فَرِحُونَ طيِّبو النُّفُوسِ مُعجِبُونَ بما هُم فيهِ من الفَكَاهَةِ وهي المُزَاحُ والأحَاديثُ الطَّيِّبة ( 5 ) .
--> ( 1 ) يضرب للرجل يكذب في الأمر يدلّ بعض أحواله على الصدق فيه . وأصله : أنّ رجلاً سَاومَ رجلاً ببعير فسأل عن سنّه ، فأخبره أنّه بكر - والبكرُ : الفتيُّ - ففرَّ عنه فوجده هرماً فقال : صدقني سنّ بكره وكذبني هو . راجع جمهرة الأمثال للعسكري : ج 1 ص 575 . ( 2 ) قرأه الحرميان وأبو عمرو . راجع التذكرة في القراءات : ص 631 . ( 3 ) وهو قول ابن مسعود والحسن وسعيد بن جبير وقتادة . راجع تفسير الماوردي : ج 5 ص 24 . ( 4 ) قرأه ابن مسعود والسلمي وأبو المتوكل وقتادة وأبو الجوزاء والنخعي وأبو جعفر المدني . راجع تفسير القرطبي : ج 15 ص 44 . ( 5 ) قاله ابن عباس ومجاهد . راجع تفسير الماوردي : ج 5 ص 25 .