الشيخ الطبرسي
109
تفسير جوامع الجامع
وَمَا يُبدِئ الباطِلُ ومَا يُعِيد " ( 1 ) . ( قُلْ إنْ ضَلَلْتُ ) عنِ الحقِّ كَمَا زَعَمْتُم ( فَإنَّمَآ أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي ) أي : فإنَّمَا يَرجعُ وَبَالُ الضَّلالِ عَلَيَّ لأنَّ المأْخُوذَ بِهِ دونَ غَيْري ( وَإِنِ اهْتَدَيْتُ ) إلى الحقِّ فَبِفَضْلِ ( رَبِّى ) حيثُ أَوحَى ( إِلَىَّ ) فَلَهُ المِنَّةُ بذلكَ عَلَيَّ . ( وَلَوْ تَرَى ) جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ والتَّقديرُ : لَرَأَيْتَ أَمْراً عَظِيمَاً . و ( لَوْ ) و ( إذْ ) والأَفعالُ الَّتي هي ( فَزِعُواْ . . . وأُخِذُواْ . . . وحِيلَ بَيْنَهُم ) كلُّها للمُضِيِّ ، والمُرادُ بها الاستقبالُ ؛ لأنَّ ما اللهُ فَاعِلُهُ في المُستَقْبِلِ بمنزلةِ ما قَد كانَ ووُجِد لِتَحَقُّقِهِ ، وَوَقْتُ الفَزَع : وَقْتُ البَعْثِ ( فَلاَ فَوْتَ ) لا يَفُوتُ منْهُم أَحَدٌ ، والْمَكَانُ القَريبُ يَعني بِهِ القَبْرَ ، وقيلَ : هو فَزَعُهُمْ عِنْدَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ ملائَكَةِ العَذَابِ لِقَبْضِ الأَرواح ( 2 ) ، وقيلَ : يَوم بَدْر حين ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُم فَلَمْ يَستَطيعُوا فرارَاً ( 3 ) ، وقيلَ : هُو جيشٌ يُخْسَفُ بِهِمْ بالبَيْدَاءِ ، يُؤْخَذُونَ من تَحتِ أَقْدامِهِم ( 4 ) ، ( وأُخِذُواْ ) عَطْفٌ على ( فَزِعُواْ ) أي : فَزِعُوا وأُخِذُوا فَلاَ فَوْتَ لَهُم ، أو : على ( لاَ فَوْتَ ) أي : إذْ فَزِعُوا فَلَمْ يفُوتُوا وأُخِذُوا . ( وَقَالُواْ ) أي : ويقُولُونَ في ذلكَ الوَقْتِ : ( ءَامَنَّا بِهِ ) أي : بمحمَّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؛ لأنَّ ذِكْرَهُ مَرَّ في قَولِهِ : ( مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّة ) ، ( وَأَنَّى لَهُمُ الْتَّنَاوُشُ ) وهو التَنَاولُ السَّهْلُ لشيء قَريب ، وهذا تَمثيلٌ لِطَلَبِهِم ما لا يكُونُ ، وهو أَنْ يَنْفَعَهُم إيْمانُهُم في ذلكَ الوقْتِ كَمَا نَفَعَ المؤمِنينَ إيمانُهُم في الدُّنيا ، مُثِّلتْ حالُهُمْ بحَالِ من يُريدُ تَناولَ الشَّيءِ من مَكَان بَعيد مِثْلَ ما يَتَنَاولُهُ الآخرُ من مَوضِع قَريب تَناولاً
--> ( 1 ) رواه عنه مسلم في صحيحه : ج 3 ص 1408 ح 1781 . ( 2 ) قاله قتادة . راجع تفسير الطبري : ج 10 ص 388 . ( 3 ) قاله السدي . راجع تفسير الماوردي : ج 4 ص 458 . ( 4 ) وهو قول سعيد بن جبير . راجع المصدر السابق .