الشيخ الطبرسي
335
تفسير جوامع الجامع
وهو استئناف ، كأنه قيل : كيف العبرة ؟ فقيل : نسقيكم * ( مما في بطونه ) * ، وإذا ذكر * ( الانعام ) * فعلى أن يكون اسما مفردا بمعنى الجمع ، مثل " نعم " في قوله : في كل عام نعم تحوونه * يلقحه قوم وتنتجونه ( 1 ) وإذا أنث فلأنه تكسير نعم ، والمعنى : أنه سبحانه يخلق اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه ، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله عز وجل لا يشوبانه ولا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة ، بل هو خالص من ذلك كله * ( سائغا ) * أي : سهل المرور في الحلق ، و * ( من ) * الأولى للتبعيض ، لأن اللبن بعض ما في بطونه ، والثانية لابتداء الغاية ، لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتدئ . * ( ومن ثمرا ت النخيل ) * يتعلق بمحذوف ، والتقدير : ونسقيكم من ثمرات النخيل * ( والأعناب ) * أي : من عصيرها ، و * ( تتخذون منه سكرا ) * بيان لكيفية الإسقاء ، أو يتعلق ب * ( تتخذون ) * وتكون * ( منه ) * تكريرا للظرف للتوكيد ، والهاء في * ( منه ) * يعود إلى " الثمرات " لأن " الثمر " بمعنى " الثمرات " ، ويجوز أن يعود إلى موصوف محذوف و * ( تتخذون ) * صفة له ، والتقدير : ما تتخذون منه سكرا ، وتكون " ما " نكرة موصوفة ، أو : ثمر تتخذون منه سكرا * ( ورزقا حسنا ) * لأنهم كانوا يأكلون بعضها ويتخذون بعضها سكرا ، والسكر : الخمر وكل ما يسكر ، سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا ، قال : فجاؤونا بهم سكر علينا * فأجلى اليوم والسكران صاحي ( 2 )
--> ( 1 ) وقائله : قيس بن الحصين الحارثي من بني سعد ، يخاطب فيها قوما من اللصوص المغيرين ، يقول لهم : أنتم تحوون كل عام نعما لأناس ألقحوه وجهدوا في سبيله ثم إنكم تنتجونه وتستفيدون من فوائده في حيكم . انظر شرح شواهد الكشاف للأفندي : ص 554 . ( 2 ) لم نعثر على قائله فيما توفرت لدينا من مصادر ، وفيه يذم الشاعر قوما موصوفين بالغضب أرادوا الحرب مع قوم الشاعر ، لكن لشجاعة قومه وبطشهم كشفوهم وهزموهم ، فكأن قومه كانوا في سكرة وحيرة وفي اللقاء صحوا من سكرتهم وشمروا عن ساعدهم فهزموا القوم . راجع شرح شواهد الكشاف للأفندي : ص 361 .