محمد بن جرير الطبري

387

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ثم إن أبرهة توج محمد بن خزاعي ، وأمره على مضر ، أن يسير في الناس ، يدعوهم إلى حج القليس ، كنيسته التي بناها ، فسار محمد بن خزاعي ، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة ، وقد بلغ أهل تهامة أمره ، وما جاء له ، بعثوا إليه رجلا من هذيل يقال له عروة بن حياض الملاصي ، فرماه بسهم فقتله وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس بن خزاعي ، فهرب حين قتل أخوه ، فلحق بأبرهة فأخبره بقتله ، فزاد ذلك أبرهة غضبا وحنقا ، وحلف ليغزون بني كنانة ، وليهدمن البيت . ثم إن أبرهة حين أجمع السير إلى البيت ، أمر الحبشان فتهيأت وتجهزت ، وخرج معه بالفيل ، وسمعت العرب بذلك ، فأعظموه ، وفظعوا به ، ورأوا جهاده حقا عليهم ، حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة ، بيت الله الحرام ، فخرج رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم ، يقال له ذو نفر ، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب ، إلى حرب أبرهة ، وجهاده عن بيت الله ، وما يريد من هدمه وإخرابه ، فأجابه من أجابه إلى ذلك ، وعرض له ، وقاتله ، فهزم وتفرق أصحابه ، وأخذ له ذو نفر أسيرا فلما أراد قتله ، قال ذو نفر : أيها الملك لا تقتلني ، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي فتركه من القتل ، وحبسه عنده في وثاق . وكان أبرهة رجلا حليما . ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له ، حتى إذا كان بأرض خثعم ، عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلي خثعم : شهران ، وناهس ، ومن معه من قبائل العرب ، فقاتله فهزمه أبرهة ، وأخذ له أسيرا ، فأتي به فلما هم بقتله ، قال له نفيل : أيها الملك لا تقتلني ، فإني دليلك بأرض العرب ، وهاتان يداي لك على قبيلي خثعم : شهران ، وناهس ، بالسمع والطاعة فأعفاه وخلى سبيله ، وخرج به معه ، يدله على الطريق حتى إذا مر بالطائف ، خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف ، فقال : أيها الملك ، إنما نحن عبيدك ، سامعون لك مطيعون ، ليس لك عندنا خلاف ، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد يعنون اللات إنما تريد البيت الذي بمكة يعنون الكعبة ونحن نبعث معك من يدلك ، فتجاوز عنهم ، وبعثوا معهم أبا رغال فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس ، فلما أنزله به مات أبو رغال هناك ، فرجمت العرب قبره ، فهو القبر الذي ترجم الناس بالمغمس .