محمد بن جرير الطبري
388
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ولما نزل أبرهة المغمس ، بعث رجلا من الحبشة ، يقال له الأسود بن مقصود ، على خيل له حتى انتهى إلى مكة ، فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم ، وأصاب فيها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم ، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها وهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان معهم بالحرم من سائر الناس بقتاله ، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به ، فتركوا ذلك ، وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة ، وقال له : سل عن سيد هذا البلد وشريفهم ، ثم قل له : إن الملك يقول لكم : إني لم آت لحربكم ، إنما جئت لهدم البيت ، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم ، فإن لم يرد حربي فأتني به . فلما دخل حناطة مكة ، سأل عن سيد قريش وشريفها ، فقيل : عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصي ، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة ، فقال له عبد المطلب : والله ما نريد حربه ، وما لنا بذلك من طاقة هذا بيت الله الحرام ، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام أو كما قال فإن يمنعه فهو بيته وحرمه ، وإن يخل بينه وبينه ، فوالله ما عندنا له من دافع عنه ، أو كما قال فقال له حناطة : فانطلق إلى الملك ، فإنه قد أمرني أن آتيه بك . فانطلق معه عبد المطلب ، ومعه بعض بنيه ، حتى أتى العسكر ، فسأل عن ذي نفر ، وكان له صديقا ، فدل عليه ، فجاءه وهو في محبسه ، فقال : يا ذا نفر ، هل عندك غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر ، وكان له صديقا : وما غناء رجل أسير في يدي ملك ، ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ما عندي غناء في شئ مما نزل بك ، إلا أن أنيسا سائق الفيل لي صديق ، فسأرسل إليه ، فأوصيه بك ، وأعظم عليه حقك ، وأسأله أن يستأذن لك على الملك ، فتكلمه بما تريد ، ويشفع لك عنده بخير ، إن قدر على ذلك . قال : حسبي ، فبعث ذو نفر إلى أنيس ، فجاء به ، فقال : يا أنيس إن عبد المطلب سيد قريش ، وصاحب عير مكة ، يطعم الناس بالسهل ، والوحوش في رؤوس الجبال ، وقد أصاب الملك له مئتي بعير ، فاستأذن له عليه ، وأنفعه عنده بما استطعت ، فقال : أفعل . فكلم أنيس أبرهة ، فقال : أيها الملك ، هذا سيد قريش ببابك ، يستأذن عليك ، وهو صاحب عير مكة ، يطعم الناس بالسهل ، والوحوش في رؤوس الجبال ، فأذن له عليك ، فليكلمك بحاجته ، وأحسن إليه . قال : فأذن له أبرهة ، وكان عبد المطلب رجلا عظيما وسيما جسيما فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه أن يجلس تحته ، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه ، فنزل أبرهة عن سريره ، فجلس على بساطه ، فأجلسه معه عليه إلى جنبه ، ثم قال لترجمانه : قل له ما حاجتك إلى الملك ؟ فقال له ذلك الترجمان ، فقال له عبد