محمد بن جرير الطبري
108
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
التيمي ، قال : ذكروا عند هذه الآية علمت نفس ما قدمت وأخرت قال : أنا مما أخر الحجاج . وإنما اخترنا القول الذي ذكرناه ، لان كل ما عمل العبد من خير أو شر فهو مما قدمه ، وأن ما ضيع من حق الله عليه وفرط فيه فلم يعمله ، فهو مما قد قدم من شر ، وليس ذلك مما أخر من العمل ، لان العمل هو ما عمله ، فأما ما لم يعمله فإنما هو سيئة قدمها ، فلذلك قلنا : ما أخر : هو ما سنه من سنة حسنة وسيئة ، مما إذا عمل به العامل كان له مثل أجر العامل بها أو وزره . القول في تأويل قوله تعالى : * ( يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك ) * . يقول تعالى ذكره : يا أيها الانسان الكافر ، أي شئ غرك بربك الكريم ، غر الانسان به عدوه المسلط عليه ، كما : 28337 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ما غرك بربك الكريم شئ ما غر ابن آدم هذا العدو الشيطان . وقوله : الذي خلقك فسواك يقول : الذي خلقك أيها الانسان فسوى خلقك فعدلك . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة ومكة والشام والبصرة : فعدلك بتشديد الدال ، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة بتخفيفها وكأن من قرأ ذلك بالتشديد ، وجه معنى الكلام إلى أنه جعلك معتدلا معدل الخلق مقوما ، وكأن الذين قرؤوه بالتخفيف ، وجهوا معنى الكلام إلى صرفك ، وأما لك إلى أي صورة شاء ، إما إلى صورة حسنة ، وإما إلى صورة قبيحة ، أو إلى صورة بعض قراباته . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار ، صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، غير أن أعجبهما إلي أن أقرأ به ، قراءة من قرأ ذلك بالتشديد ، لان دخول في للتعديل أحسن في العربية من دخولها للعدل ، ألا ترى أنك تقول : عدلتك في كذا ، وصرفتك إليه ، ولا تكاد تقول : عدلتك إلى كذا وصرفتك فيه ، فلذلك اخترت التشديد .