محمد بن جرير الطبري
54
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
لا يعلمون ، وذلك بأن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم متعوا به بخير لهم عند الله ، فيتمادوا في طغيانهم ، ثم يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون . وقوله : وأملي لهم إن كيدي متين يقول تعالى ذكره : وأنسئ في آجالهم ملاوة من الزمان ، وذلك برهة من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله لتتكامل حجج الله عليهم إن كيدي متين يقول : إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد . القول في تأويل قوله تعالى : * ( أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون * أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : أتسأل يا محمد هؤلاء المشركين بالله على ما أتيتهم به من النصيحة ، ودعوتهم إليه من الحق ، ثوابا وجزاء فهم من مغرم مثقلون يعني من غرم ذلك الاجر مثقلون ، قد أثقلهم القيام بأدائه ، فتحاموا لذلك قبول نصيحتك ، وتجنبوا لعظم ما أصابهن من ثقل الغرم الذي سألتهم على ذلك الدخول في الذي دعوتهم إليه من الدين . وقوله : أم عندهم الغيب فهم يكتبون يقول : أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه نبأ ما هو كائن ، فهم يكتبون منه ما فيه ، ويجادلونك به ، ويزعمون أنهم على كفرهم بربهم أفضل منزلة عند الله من أهل الايمان به . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : فاصبر يا محمد لقضاء ربك وحكمه فيك ، وفي هؤلاء المشركين بما أتيتهم به من هذا القرآن ، وهذا الدين ، وامض لما أمرك به ربك ، ولا يثنيك عن تبليغ ما أمرت بتبليغه تكذيبهم إياك وأذاهم لك . وقوله : ولا تكن كصاحب الحوت الذي حبسه في بطنه ، وهو يونس بن متى ( ص ) فيعاقبك ربك على تركك تبليغ ذلك ، كما عاقبه فحبسه في بطنه . إذ نادى وهو مكظوم يقول : إذ نادى وهو مغموم ، قد أثقله الغم وكظمه ، كما : 26898 - حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إذ نادى وهو مكظوم يقول : مغموم .