محمد بن جرير الطبري
306
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وقد بين ذلك جل ثناؤه لمن عقل عنه بقوله : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها فأخبر أن الفائت منها بإفاتته إياهم فاتهم ، والمدرك منها بإعطائه إياهم أدركوا ، وأن ذلك محفوظ لهم في كتاب من قبل أن يخلقهم . وقوله : والله لا يحب كل مختال فخور يقول : والله لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا ، فخور به على الناس . القول في تأويل قوله تعالى : * ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) * . يقول تعالى ذكره : والله لا يحب كل مختال فخور ، الباخلين بما أوتوا في الدنيا على اختيالهم به وفخرهم بذلك على الناس ، فهم يبخلون باخراج حق الله الذي أوجبه عليهم فيه ، ويشحون به ، وهم مع بخلهم به أيضا يأمرون الناس بالبخل . وقوله : ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد يقول تعالى ذكره : ومن يدبر معرضا عن عظة الله فإن الله هو الغني الحميد يقول تعالى ذكره : ومن يدبر معرضا عن عظة الله ، تاركا العمل بما دعاه إليه من الانفاق في سبيله ، فرحا بما أوتي من الدنيا مختالا به فخورا بخيلا ، فإن الله هو الغني عن ماله ونفقته ، وعن غيره من سائر خلقه ، الحميد إلى خلقه بما أنعم به عليهم من نعمه . واختلف أهل العربية في موضع جواب قوله : الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل فقال بعضهم : استغنى بالاخبار التي لأشباههم ، ولهم في القرآن ، كما قال : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ، ولم يكن في ذا الموضع خبر والله أعلم بما ينزل ، هو كما أنزل ، أو كما أراد أن كون . وقال غيره من أهل العربية : الخبر قد جاء في الآية التي قبل هذه الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد عطف بجزاءين على جزاء ، وجعل جوابهما واحدا ، كما تقول : إن تقم وإن تحسن آتك ، لا أنه حذف الخبر . واختلفت القراء في قراءة قوله : فإن الله هو الغني الحميد فقرأ ذلك عامة قراء