محمد بن جرير الطبري

177

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وأما تأويله : فإنه وعيد من الله لعباده وتهدد ، كقول القائل الذي يتهدد غيره ويتوعده ، ولا شغل له يشغله عن عقابه ، لأتفرغن لك ، وسأتفرغ لك ، بمعنى : سأجد في أمرك وأعاقبك ، وقد يقول القائل للذي لا شغل له ، قد فرغت لي ، وقد فرغت لشتمي : أي أخذت فيه وأقبلت عليه ، وكذلك قوله جل ثناؤه : سنفرغ لكم سنحاسبكم ، ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجن ، فنعاقب أهل المعاصي ، ونثيب أهل الطاعة . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 25555 - حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : سنفرغ لكم أيها الثقلان قال : وعيد من الله للعباد ، وليس بالله شغل ، وهو فارغ . 25556 - حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة أنه تلا سنفرغ لكم أيها الثقلان قال : دنا من الله فراغ لخلقه . 25557 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن جويبر ، عن الضحاك سنفرغ لكم أيها الثقلان قال : وعيد ، وقد يحتمل أن يوجه معنى ذلك إلى : سنفرغ لكم من وعدناكم ما وعدناكم من الثواب والعقاب . وقوله : فبأي آلاء ربكما تكذبان : فبأي نعم ربكما معشر الثقلين التي أنعمها عليكم ، من ثوابه أهل طاعته ، وعقابه أهل معصيته تكذبان ؟ . وقوله : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : إن استطعتم أن تنفذوا فقال بعضهم : معنى ذلك : إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السماوات والأرض ، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم ، فجوزوا ذلك ، فإنكم لا تجوزونه إلا بسلطان من ربكم ، قالوا : وإنما هذا قول يقال لهم يوم القيامة . قالوا : ومعنى الكلام : سنفرغ لكم أيها الثقلان ، فيقال لهم : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا . ذكر من قال ذلك : 25558 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن الأجلح ، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم ، قال : إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا