محمد بن جرير الطبري

15

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

بلغه أن موسى قال : يا رب خلقك الذين خلقتهم ، جعلت منهم فريقا في الجنة وفريقا في السعير ، لوما أدخلتهم كلهم الجنة قال : يا موسى ارفع زرعك ، فرفع ، قال : قد رفعت ، قال : ارفع ، فرفع ، فلم يترك شيئا ، قال : يا رب قد رفعت ، قال : ارفع ، قال : قد رفعت إلا ما لا خير فيه ، قال : كذلك أدخل خلقي كلهم الجنة إلا ما لا خير فيه . وقيل : فريق في الجنة وفريق في السعير فرفع ، وقد تقدم الكلام قبل ذلك بقوله : لتنذر أم القرى ومن حولها بالنصب ، لأنه أريد به الابتداء ، كما يقال : رأيت العسكر مقتول أو منهزم ، بمعنى : منهم مقتول ، ومنهم منهزم . القول في تأويل قوله تعالى : ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير يقول تعالى ذكره : ولو أراد الله أن يجمع خلقه على هدى ، ويجعلهم على ملة واحدة لفعل ، ولجعلهم أمة واحدة يقول : أهل ملة واحدة ، وجماعة مجتمعة على دين واحد ولكن يدخل من يشاء في رحمته يقول : لم يفعل ذلك فيجعلهم أمة واحدة ، ولكن يدخل من يشاء ، من عباده في رحمته ، يعني أنه يدخله في رحمته بتوفيقه إياه للدخول في دينه ، الذي ابتعث به نبيه محمدا ( ص ) والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير يقول : والكافرون بالله ما لهم من ولي يتولاهم يوم القيامة ، ولا نصير ينصرهم من عقاب الله حين يعاقبهم ، فينقذهم من عذابه ، ويقتص لهم ممن عاقبهم ، وإنما قيل هذا لرسول الله ( ص ) تسلية له عما كان يناله من الهم بتولية قومه عنه ، وأمرا له بترك إدخال المكروه على نفسه من أجل إدبار من أدبر عنه منهم ، فلم يستجب لما دعاه إليه من الحق ، وإعلاما له أن أمور عباده بيده ، وأنه الهادي إلى الحق من شاء ، والمضل من أراد دونه ، ودون كل أحد سواه . القول في تأويل قوله تعالى : أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شئ