محمد بن جرير الطبري
59
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يقول تعالى ذكره : إن الذين كفروا بالله ينادون في النار يوم القيامة إذا دخلوها ، فمقتوا بدخولهموها أنفسهم حين عاينوا ما أعد الله لهم فيها من أنواع العذاب ، فيقال لهم : لمقت الله إياكم أيها القوم في الدنيا ، إذ تدعون فيها للايمان بالله فتكفرون ، أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم لما حل بكم من سخط الله عليكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 23347 حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : لمقت الله أكبر قال : مقتوا أنفسهم حين رأوا أعمالهم ، ومقت الله إياهم في الدنيا ، إذ يدعون إلى الايمان ، فيكفرون أكبر . 23348 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الايمان فتكفرون يقول : لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الايمان في الدنيا ، فتركوه ، وأبوا أن يقبلوا ، أكبر مما مقتوا أنفسهم ، حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة . 23349 حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم في النار إذ تدعون إلى الايمان في الدنيا فتكفرون . 23350 حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ينادون لمقت الله . . . الآية ، قال : لما دخلوا النار مقتوا أنفسهم في معاصي الله التي ركبوها ، فنودوا : إن مقت الله إياكم حين دعاكم إلى الاسلام أشد من مقتكم أنفسكم اليوم حين دخلتم النار . واختلف أهل العربية في وجه دخول هذه اللام في قوله : لمقت الله أكبر فقال بعض أهل العربية من أهل البصرة : هي لام الابتداء ، كأن ينادون يقال لهم ، لان في النداء قول قال : ومثله في الاعراب يقال : لزيد أفضل من عمرو . وقال بعض نحويي الكوفة : المعنى فيه : ينادون إن مقت الله إياكم ، ولكن اللام تكفي من أن تقول في الكلام : ناديت أن زيدا قائم ، قال : ومثله قوله : ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين اللام بمنزلة إن في كل كلام ضارع القول مثل ينادون ويخبرون ، وأشباه ذلك .