محمد بن جرير الطبري
56
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
* ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ) * يقول تعالى ذكره : الذين يحملون عرش الله من ملائكته ، ومن حول عرشه ، ممن يحف به من الملائكة يسبحون بحمد ربهم يقول : يصلون لربهم بحمده وشكره ويؤمنون به يقول : ويقرون بالله أنه لا إله لهم سواه ، ويشهدون بذلك ، لا يستكبرون عن عبادته ويستغفرون للذين آمنوا يقول : ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم من توحيد الله ، والبراءة من كل معبود سواه ذنوبهم ، فيعفوها عنهم ، كما : 23341 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ويستغفرون للذين آمنوا لأهل لا إله إلا الله . وقوله : ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما ، وفي هذا الكلام محذوف ، وهو يقولون ومعنى الكلام ويستغفرون للذين آمنوا يقولون : يا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما . ويعني بقوله : وسعت كل شئ رحمة وعلما : وسعت رحمتك وعلمك كل شئ من خلقك ، فعلمت كل شئ ، فلم يخف عليك شئ ، ورحمت خلقك ، ووسعتهم برحمتك . وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب الرحمة والعلم ، فقال بعض نحويي البصرة : انتصاب ذلك كانتصاب لك مثله عبدا ، لأنك قد جعلت وسعت كل شئ ، وهو مفعول له ، والفاعل التاء ، وجاء بالرحمة والعلم تفسيرا ، وقد شغلت عنهما الفعل كما شغلت المثل بالهاء ، فلذلك نصبته تشبيها بالمفعول بعد الفاعل وقال غيره : هو من المنقول ، وهو مفسر ، وسعت رحمته وعلمه ، ووسع هو كل شئ رحمة ، كما تقول : طابت به نفسي ، وطبت به نفسا ، وقال : أمالك مثله عبدا ، فإن المقادير لا تكون إلا معلومة مثل عندي رطل زيتا ، والمثل غير معلوم ، ولكن لفظه لفظ المعرفة والعبد نكرة ، فلذلك نصب العبد ، وله أن يرفع ، واستشهد لقيله ذلك بقول الشاعر : ما في معد والقبائل كلها * قحطان مثلك واحد معدود