محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

القول في تأويل قوله تعالى : * ( أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) * . يقول تعالى ذكره : أو لم يعلم يا محمد هؤلاء الذين كشفنا عنهم ضرهم ، فقالوا : إنما أوتيناه على علم منا ، أن الشدة والرخاء والسعة والضيق والبلاء بيد الله ، دون كل من سواه ، يبسط الرزق لمن يشاء ، فيوسعه عليه ، ويقدر ذلك على من يشاء من عباده ، فيضيقه ، وأن ذلك من حجج الله على عباده ، ليعتبروا به ويتذكروا ، ويعلموا أن الرغبة إليه والرهبة دون الآلهة والأنداد . إن في ذلك لآيات يقول : إن في بسط الله الرزق لمن يشاء ، وتقتيره على من أراد الآيات ، يعني : دلالات وعلامات لقوم يؤمنون يعني : يصدقون بالحق ، فيقرون به إذا تبينوه وعلموا حقيقته أن الذي يفعل ذلك هو الله دون كل ما سواه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) * . اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية ، فقال بعضهم : عني بها قوم من أهل الشرك ، قالوا لما دعوا إلى الايمان بالله : كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا ، وقتلنا النفس التي حرم الله ، والله يعد فاعل ذلك النار ، فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الايمان ، فنزلت هذه الآية . ذكر من قال ذلك : 23243 حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله وذلك أن أهل مكة قالوا : يزعم محمد أنه من عبد الأوثان ، ودعا مع الله إلها آخر ، وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له ، فكيف نهاجر ونسلم ، وقد عبدنا الآلهة ، وقتلنا النفس التي حرم الله ونحن أهل الشرك ؟ فأنزل الله : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله يقول : لا تيأسوا من رحمتي ، إن الله يغفر الذنوب جميعا وقال : وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له وإنما يعاتب الله أولي الألباب وإنما الحلال والحرام لأهل