محمد بن جرير الطبري
6
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
لما بتشديد الميم . ولتشديدهم ذلك عندنا وجهان : أحدهما : أن يكون الكلام عندهم كان مرادا به : وإن كل لمما جميع ، ثم حذفت إحدى الميمات لما كثرت ، كما قال الشاعر : غداة طفت علماء بكر بن وائل وعجنا صدور الخيل نحو تميم والآخر : أن يكونوا أرادوا أن تكون لما بمعنى إلا ، مع إن خاصة فتكون نظيرة إنما إذا وضعت موضع إلا . وقد كان بعض نحويي الكوفة يقول : كأنها لم ضمت إليها ما ، فصارتا جميعا استثناء ، وخرجتا من حد الجحد . وكان بعض أهل العربية يقول : لا أعرف وجه لما بالتشديد . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون * وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ) * . يقول تعالى ذكره : ودلالة لهؤلاء المشركين على قدرة الله على ما يشاء ، وعلى إحيائه من مات من خلقه وإعادته بعد فنائه ، كهيئته قبل مماته إحياؤه الأرض الميتة ، التي لا نبت فيها ولا زرع بالغيث الذي ينزله من السماء حتى يخرج زرعها ، ثم اخراجه منها الحب الذي هو قوت لهم وغذاء ، فمنه يأكلون . وقوله : وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب يقول تعالى ذكره : وجعلنا في هذه الأرض التي أحييناها بعد موتها بساتين من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون يقول : وأنبعنا فيها من عيون الماء . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ) * . يقول تعالى ذكره : أنشأنا هذه الجنات في هذه الأرض ليأكل عبادي من ثمره ، وما عملت أيديهم يقول : ليأكلوا من ثمر الجنات التي أنشأنا لهم ، وما عملت أيديهم مما غرسوا