محمد بن جرير الطبري
196
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
إلى ربه فيما يرغب إليه من الملك ، فلم تكن إن شاء الله به رغبة في الدنيا ، ولكن إرادة منه أن يعلم منزلته من الله في إجابته فيما رغب إليه فيه ، وقبوله توبته ، وإجابته دعاءه . وأما مسألته ربه ملكا لا ينبغي لاحد من بعده ، فإنا قد ذكرنا فيما مضى قبل قول من قال : إن معنى ذلك : هب لي ملكا لا أسلبه كما سلبته قبل . وإنما معناه عند هؤلاء : هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي أن يسلبنيه . وقد يتجه ذلك أن يكون بمعنى : لا ينبغي لاحد سواي من أهل زماني ، فيكون حجة وعلما لي على نبوتي وأني رسولك إليهم مبعوث ، إذ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس سواهم . ويتجه أيضا لان يكون معناه : وهب لي ملكا تخصني به ، لا تعطيه أحدا غيري تشريفا منك لي بذلك ، وتكرمة ، لتبين منزلتي منك به من منازل من سواي ، وليس في وجه من هذه الوجوه مما ظنه الحجاج في معنى ذلك شئ . ] القول في تأويل قوله تعالى : * ( واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب * اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : واذكر أيضا يا محمد عبدنا أيوب إذ نادى ربه مستغيثا به فيما نزل به من البلاء : يا رب إني مسني الشيطان بنصب فاختلفت القراء في قراءة قوله : بنصب فقرأته عامة قراء الأمصار خلا أبي جعفر القارئ : بنصب بضم النون وسكون الصاد ، وقرأ ذلك أبو جعفر بضم النون والصاد كليهما ، وقد حكي عنه بفتح النون والصاد والنصب والنصب بمنزلة الحزن والحزن ، والعدم والعدم ، والرشد والرشد ، والصلب والصلب . وكان الفراء يقول : إذا ضم أوله لم يثقل ، لأنهم جعلوهما على سمتين : إذا فتحوا أوله ثقلوا ، وإذا ضموا أوله خففوا . قال : وأنشدني بعض العرب : لئن بعثت أم الحميدين مائرا * لقد غنيت في غير بؤس ولا جحد من قولهم : جحد عيشه : إذا ضاق واشتد قال : فلما قال جحد خفف . وقال بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين : النصب من العذاب . وقال : العرب تقول :