محمد بن جرير الطبري

181

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

فاحكم بين الناس بالحق يعني : بالعدل والانصاف ولا تتبع الهوى يقول : ولا تؤثر هواك في قضائك بينهم على الحق والعدل فيه ، فتجور عن الحق فيضلك عن سبيل الله يقول : فيميل بك اتباعك هواك في قضائك على العدل والعمل بالحق عن طريق الله الذي جعله لأهل الايمان فيه ، فتكون من الهالكين بضلالك عن سبيل الله . وقوله : إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب يقول تعالى ذكره : إن الذين يميلون عن سبيل الله ، وذلك الحق الذي شرعه لعباده ، وأمرهم بالعمل به ، فيجورون عنه في الدنيا ، لهم في الآخرة يوم الحساب عذاب شديد على ضلالهم عن سبيل الله بما نسوا أمر الله ، يقول : بما تركوا القضاء بالعدل ، والعمل بطاعة الله يوم الحساب من صلة العذاب الشديد . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 22948 حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا العوام ، عن عكرمة ، في قوله : عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب قال : هذا من التقديم والتأخير ، يقول : لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا . 22949 حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : بما نسوا يوم الحساب قال : نسوا : تركوا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار * كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ) * . يقول تعالى ذكره : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما عبثا ولهوا ، ما خلقناهما إلا ليعمل فيهما بطاعتنا ، وينتهى إلى أمرنا ونهينا ، ذلك ظن الذين كفروا يقول : أي ظن أنا خلقنا ذلك باطلا ولعبا ، ظن الذين كفروا بالله فلم يوحدوه ، ولم يعرفوا عظمته ، وأنه لا ينبغي أن يعبث ، فيتيقنوا بذلك أنه لا يخلق شيئا باطلا فويل للذين كفروا من النار يعني : من نار جهنم . وقوله : أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض يقول : أنجعل الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بما أمر الله به ، وانتهوا عما نهاهم عنه كالمفسدين في الأرض يقول : كالذين يشركون بالله ويعصونه ويخالفون أمره ونهيه أم نجعل المتقين يقول : الذين اتقوا الله بطاعته وراقبوه ، فحذروا معاصيه كالفجار