محمد بن جرير الطبري

17

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وفي قوله : إن أنتم إلا في ضلال مبين وجهان : أحدهما أن يكون من قيل الكفار للمؤمنين ، فيكون تأويل الكلام حينئذ : ما أنتم أيها القوم في قيلكم لنا : أنفقوا مما رزقكم الله على مساكينكم ، إلا في ذهاب عن الحق ، وجور عن الرشد مبين لمن تأمله وتدبره ، أنه في ضلال وهذا أولى وجهيه بتأويله . والوجه الآخر : أن يكون ذلك من قيل الله للمشركين ، فيكون تأويله حينئذ : ما أنتم أيها الكافرون في قيلكم للمؤمنين : أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ، إلا في ضلال مبين ، عن أن قيلكم ذلك لهم ضلال . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) * . يقول تعالى ذكره : ويقول هؤلاء المشركون المكذبون وعيد الله ، والبعث بعد الممات ، يستعجلون ربهم بالعذاب متى هذا الوعد : أي الوعد بقيام الساعة إن كنتم صادقين أيها القوم ، وهذا قولهم لأهل الايمان بالله ورسوله . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون * فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ) * . يقول تعالى ذكره : ما ينتظر هؤلاء المشركون الذين يستعجلون بوعيد الله إياهم ، إلا صيحة واحدة تأخذهم ، وذلك نفخة الفزع عند قيام الساعة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، وجاءت الآثار . ذكر من قال ذلك ، وما فيه من الأثر : 22332 حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر ، قالا : ثنا عوف بن أبي جميلة عن أبي المغيرة القواس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : لينفخن في الصور ، والناس في طرقهم وأسواقهم ومجالسهم ، حتى إن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان ، فما يرسله أحدهما من يده حتى ينفخ في الصور ، وحتى إن الرجل ليغدو من بيته فلا يرجع حتى ينفخ في الصور ، وهي التي قال الله : ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية . . . الآية .