محمد بن جرير الطبري

165

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقوله : وشددنا ملكه اختلف أهل التأويل في المعنى الذي به شدد ملكه ، فقال بعضهم : شدد ذلك بالجنود والرجال ، فكان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف ، أربعة آلاف . ذكر من قال ذلك : 22998 حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : وشددنا ملكه قال : كان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف أربعة آلاف . وقال آخرون : كان الذي شدد به ملكه ، أن أعطي هيبة من الناس له لقضية كان قضاها . ذكر من قال ذلك : 22899 حدثني ابن حرب ، قال : ثنا موسى ، قال : ثنا داود ، عن علباء بن أحمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم ، فاجتمعا عند داود النبي ( ص ) فقال المستعدي : إن هذا اغتصبني بقرا لي ، فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده ، فسأل الآخر البينة ، فلم يكن له بينة ، فقال لهما داود : قوما حتى أنظر في أمركما فقاما من عنده ، فأوحى الله إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه ، فقال : هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت ، فأوحى الله إلى داود في منامه مرة أخرى أن يقتل الرجل ، وأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله ، فأرسل داود إلى الرجل : إن الله قد أوحى إلي أن أقتلك ، فقال الرجل : تقتلني بغير بينة ولا تثبت ؟ فقال له داود : نعم ، والله لأنفذن أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه قاتله ، قال : لا تعجل علي حتى أخبرك ، إني والله وما أخذت بهذا الذنب ، ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته ، فبذلك قتلت ، فأمر به داود فقتل ، فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند ذلك لداود ، وشدد به ملكه ، فهو قول الله : وشددنا ملكه . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تبارك وتعالى أخبر أنه شدد ملك داود ، ولم يحضر ذلك من تشديده على التشديد بالرجال والجنود دون الهيبة من الناس له ولا على هيبة الناس له دون الجنود . وجائز أن يكون تشديده ذلك كان ببعض ما ذكرنا وجائز أن يكون كان بجميعها ، ولا قول أولى في ذلك بالصحة من قول الله ، إذ لم يحصر ذلك على بعض معاني التشديد خبر يجب التسليم له . وقوله : وآتيناه الحكمة اختلف أهل التأويل في معنى الحكمة في هذا الموضع ، فقال بعضهم : عني بها النبوة . ذكر من قال ذلك :