محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

أنتم حذرتم ذلك ، واتقيتموه بالتوبة من شرككم والايمان به ، ولزوم طاعته فيما أوجب عليكم من فرائضه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 22330 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم : وقائع الله فيمن خلا قبلهم من الأمم وما خلفهم من أمر الساعة . وكان مجاهد يقول في ذلك ما : 22331 حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ما بين أيديكم قال : ما مضى من ذنوبهم . وهذا القول قريب المعنى من القول الذي قلنا ، لان معناه : اتقوا عقوبة ما بين أيديكم من ذنوبكم ، وما خلفكم مما تعملون من الذنوب ولم تعملوه بعد ، فذلك بعد تخويف لهم العقاب على كفرهم . وقوله : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين يقول تعالى ذكره : وما تجئ هؤلاء المشركين من قريش آية ، يعني حجة من حجج الله ، وعلامة من علاماته على حقيقة توحيده ، وتصديق رسوله ، إلا كانوا عنها معرضين ، لا يتفكرون فيها ، ولا يتدبرونها ، فيعلموا بها ما احتج الله عليهم بها . فإن قال قائل : وأين جواب قوله : وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ؟ قيل : جوابه وجواب قوله وما تأتيهم من آية من آيات ربهم . . . قوله : إلا كانوا عنها معرضين لان الاعراض منهم كان عن كل آية لله ، فاكتفى بالجواب عن قوله : اتقوا ما بين أيديكم وعن قوله : وما تأتيهم من آية بالخبر عن إعراضهم عنها لذلك ، لان معنى الكلام : وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا ، وإذا أتتهم آية أعرضوا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين ) * . يقول تعالى ذكره : وإذا قيل لهؤلاء المشركين بالله : أنفقوا من رزق الله الذي رزقكم ، فأدوا منه ما فرض الله عليكم فيه لأهل حاجتكم ومسكنتكم ، قال الذين أنكروا وحدانية الله ، وعبدوا من دونه للذين آمنوا بالله ورسوله : أنطعم أموالنا وطعامنا من لو يشاء الله أطعمه ؟ .