محمد بن جرير الطبري

14

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

إلى أرض الاسلام المدينة ، فإن أرضي واسعة ، فاصبروا على عبادتي ، وأخلصوا طاعتي ، فإنكم ميتون ، وصائرون إلي ، لان كل نفس حية ذائقة الموت ، ثم إلينا بعد الموت تردون . ثم أخبرهم جل ثناؤه عما أعد للصابرين منهم على طاعته ، من كرامته عنده ، فقال : والذين آمنوا ، يعني صدقوا الله ورسوله ، فيما جاء به من عند الله ، وعملوا الصالحات : يقول : وعملوا بما أمرهم الله فأطاعوه فيه ، وانتهوا عما نهاهم عنه لنبوئنهم من الجنة غرفا يقول : لننزلنهم من الجنة علالي . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : لنبوئنهم بالباء وقرأته عامة قراء الكوفة بالثاء : لنثوينهم . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، وذلك أن قوله : لنبوئنهم من بوأته منزلا : أي أنزلته ، وكذلك لنثوينهم إنما هو من أثويته مسكنا إذا أنزلته منزلا ، من الثواء ، وهو المقام . وقوله : تجري من تحتها الأنهار يقول : تجرى من تحت أشجارها الأنهار . خالدين فيها يقول : ماكثين فيها إلى غير نهاية نعم أجر العاملين يقول : نعم جزاء العاملين بطاعة الله هذه الغرف التي يثويهموها الله في جناته ، تجري من تحتها الأنهار ، الذين صبروا على أذى المشركين في الدنيا ، وما كانوا يلقون منهم ، وعلى العمل بطاعة الله وما يرضيه ، وجهاد أعدائه وعلى ربهم يتوكلون في أرزاقهم وجهاد أعدائهم ، فلا ينكلون عنهم ثقة منهم بأن الله معلي كلمته ، وموهن كيد الكافرين ، وأن ما قسم لهم من الرزق فلن يفوتهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم ) * . يقول تعالى ذكره للمؤمنين به ، وبرسوله من أصحاب محمد ( ص ) : هاجروا وجاهدوا في الله أيها المؤمنون أعداءه ، ولا تخافوا عيلة ولا إقتارا ، فكم من دابة ذات حاجة إلى غذاء ومطعم ومشرب لا تحمل رزقها ، يعني غذاءها لا تحمله ، فترفعه في يومها لغدها