محمد بن جرير الطبري

171

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ولا من في السماء معجزين قال : وهو من غامض العربية للضمير الذي لم يظهر في الثاني . قال : ومثله قول حسان بن ثابت : أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء ؟ أراد : ومن ينصره ويمدحه ، فأضمر من . قال : وقد يقع في وهم السامع أن النصر والمدح لمن هذه الظاهرة ومثله في الكلام : أكرم من أتاك وأتى أباك ، وأكرم من أتاك ولم يأت زيدا . تريد : ومن لم يأت زيدا ، فيكتفي باختلاف الأفعال من إعادة من ، كأنه قال : أمن يهجو ، ومن يمدحه ، ومن ينصره . ومنه قول الله عز وجل : ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار وهذا القول أصح عندي في المعنى من القول الآخر ، ولو قال قائل : معناه : ولا أنتم بمعجزين في الأرض ، ولا أنتم لو كنتم في السماء بمعجزين كان مذهبا . وقوله : وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير يقول : وما كان لكم أيها الناس من دون الله من ولي يلي أموركم ، ولا نصير ينصركم من الله إن أراد بكم سوءا ولا يمنعكم منه إن أحل بكم عقوبته . القول في تأويل قوله تعالى : * ( والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم ) * . يقول تعالى ذكره : والذين كفروا حجج الله ، وأنكروا أدلته ، وجحدوا لقاءه والورود عليه ، يوم تقوم الساعة أولئك يئسوا من رحمتي يقول تعالى ذكره : أولئك يئسوا من رحمتي في الآخرة لما عاينوا ما أعد لهم من العذاب ، وأولئك لهم عذاب موجع . فإن قال قائل : وكيف اعترض بهذه الآيات من قوله وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم . . . إلى قوله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وترك ضمير قوله فما كان جواب قومه وهو من قصة إبراهيم . وقوله إن الذين تعبدون من دون الله . . . إلى قوله فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون . قيل : فعل ذلك كذلك ، لان الخبر عن أمر نوح وإبراهيم وقومهما ، وسائر من ذكر الله من الرسل والأمم في هذه السورة وغيرها ، إنما هو تذكير من الله تعالى ذكره به الذين