محمد بن جرير الطبري
123
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
أمن سمية دمع العين تذريف * لو كان ذا منك قبل اليوم معروف فرفع معروفا بحرف الصفة ، وهو لا شك خبر لذا ، وذكر أن المفضل أنشده ذلك : * لو أن ذا منك قبل اليوم معروف * ومنه أيضا قول عمر بن أبي ربيعة : قلت أجيبي عاشقا * بحبكم مكلف فيها ثلاث كالدمى * وكاعب ومسلف فمكلف من نعت عاشق ، وقد رفعه بحرف الصفة ، وهو الباء ، في أشباه لما ذكرنا بكثير من الشواهد ، فكذلك قوله : ويختار ما كان لهم الخيرة رفعت الخيرة بالصفة ، وهي لهم ، وإن كانت خبرا لما ، لما جاءت بعد الصفة ، ووقعت الصفة موقع الخبر ، فصار كقول القائل : كان عمرو أبوه قائم ، لا شك أن قائما لو كان مكان الأب ، وكان الأب هو المتأخر بعده ، كان منصوبا ، فكذلك وجه رفع الخيرة ، وهو خبر لما . فإن قال قائل : فهل يجوز أن تكون ما في هذا الموضع جحدا ، ويكون معنى الكلام : وربك يخلق ما يشاء أن يخلقه ، ويختار ما يشاء أن يختاره ، فيكون قوله ويختار نهاية الخبر عن الخلق والاختيار ، ثم يكون الكلام بعد ذلك مبتدأ بمعنى : لم تكن لهم الخيرة : أي لم يكن للخلق الخيرة ، وإنما الخيرة لله وحده ؟ قيل : هذا قول لا يخفى فساده على ذي حجا ، من وجوه ، لو لم يكن بخلافه لأهل التأويل قول ، فكيف والتأويل عمن ذكرنا بخلافه فأما أحد وجوه فساده ، فهو أن قوله : ما كان لهم الخيرة لو كان كما ظنه من ظنه ، من أن ما بمعنى الجحد ، على نحو التأويل الذي ذكرت ، كان إنما جحد تعالى ذكره ، أن تكون لهم الخيرة فيما مضى قبل نزول هذه الآية ، فأما فيما يستقبلونه فلهم الخيرة ، لان قول القائل : ما كان لك هذا ، لا شك إنما