محمد بن جرير الطبري
124
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
هو خبر عن أنه لم يكن له ذلك فيما مضى . وقد يجوز أن يكون له فيما يستقبل ، وذلك من الكلام لا شك خلف . لان ما لم يكن للخلق من ذلك قديما ، فليس ذلك لهم أبدا . وبعد ، لو أريد ذلك المعنى ، لكان الكلام : فليس . وقيل : وربك يخلق ما يشاء ويختار ، ليس لهم الخيرة ، ليكون نفيا عن أن يكون ذلك لهم فيما قبل وفيما بعد . والثاني : أن كتاب الله أبين البيان ، وأوضح الكلام ، ومحال أن يوجد فيه شئ غير مفهوم المعنى ، وغير جائز في الكلام أن يقال ابتداء : ما كان لفلان الخيرة ، ولما يتقدم قبل ذلك كلام يقتضي ذلك فكذلك قوله : ويختار ، ما كان لهم الخيرة ولم يتقدم قبله من الله تعالى ذكره خبر عن أحد ، أنه ادعى أنه كان له الخيرة ، فيقال له : ما كان لك الخيرة ، وإنما جرى قبله الخبر عما هو صائر إليه أمر من تاب من شركه ، وآمن وعمل صالحا ، وأتبع ذلك جل ثناؤه الخبر عن سبب إيمان من آمن وعمل صالحا منهم ، وأن ذلك إنما هو لاختياره إياه للايمان ، وللسابق من علمه فيه اهتدى . ويزيد ما قلنا من ذلك إبانة قوله : وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون فأخبر أنه يعلم من عباده السرائر والظواهر ، ويصطفي لنفسه ويختار لطاعته من قد علم منه السريرة الصالحة ، والعلانية الرضية . والثالث : أن معنى الخيرة في هذا الموضع : إنما هو الخيرة ، وهو الشئ الذي يختار من البهائم والانعام والرجال والنساء ، يقال منه : أعطي الخيرة والخيرة ، مثل الطيرة والطيرة ، وليس بالاختيار ، وإذا كانت الخيرة ما وصفنا ، فمعلوم أن من أجود الكلام أن يقال : وربك يخلق ما يشاء ، ويختار ما يشاء ، لم يكن لهم خير بهيمة أو خير طعام ، أو خير رجل أو امرأة . فإن قال : فهل يجوز أن تكون بمعنى المصدر ؟ قيل : لا ، وذلك أنها إذا كانت مصدرا كان معنى الكلام : وربك يخلق ما يشاء ويختار كون الخيرة لهم . وإذا كان ذلك معناه ، وجب أن لا تكون الشرار لهم من البهائم والانعام وإذا لم يكن لهم شرار ذلك وجب أن لا يكون لها مالك ، وذلك ما لا يخفى خطؤه ، لان لخيارها ولشرارها أربابا يملكونها بتمليك الله إياهم ذلك ، وفي كون ذلك كذلك فساد توجيه ذلك إلى معنى المصدر . وقوله سبحانه وتعالى : عما يشركون يقول تعالى ذكره تنزيها لله وتبرئة له ، وعلوا عما أضاف إليه المشركون من الشرك ، وما تخرصوه من الكذب والباطل عليه . وتأويل الكلام : سبحان الله وتعالى عن شركهم . وقد كان بعض أهل العربية يوجهه إلى أنه بمعنى : وتعالى عن الذي يشركون به . القول في تأويل قوله تعالى :