محمد بن جرير الطبري

122

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يقول تعالى ذكره : فأما من تاب من المشركين ، فأناب وراجع الحق ، وأخلص لله الألوهة ، وأفرد له العبادة ، فلم يشرك في عبادته شيئا وآمن يقول : وصدق بنبيه محمد ( ص ) . وعمل صالحا يقول : وعمل بما أمره الله بعمله في كتابه ، وعلى لسان رسوله ( ص ) ، فعسى أن يكون من المفلحين . يقول : فهو من المنجحين المدركين طلبتهم عند الله ، الخالدين في جنانه ، وعسى من الله واجب . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون ) * . يقول تعالى ذكره : وربك يا محمد يخلق ما يشاء أن يخلقه ، ويختار لولايته الخيرة من خلقه ، ومن سبقت له منه السعادة . وإنما قال جل ثناؤه ويختار ما كان لهم الخيرة والمعنى : ما وصفت ، لان المشركين كانوا فيما ذكر عنهم يختارون أموالهم ، فيجعلونها لآلهتهم ، فقال الله لنبيه محمد ( ص ) : وربك يا محمد يخلق ما يشاء أن يخلقه ، ويختار للهداية والايمان والعمل الصالح من خلقه ، ما هو في سابق علمه أنه خيرتهم ، نظير ما كان من هؤلاء المشركين لآلهتهم خيار أموالهم ، فكذلك اختياري لنفسي . واجتبائي لولايتي ، واصطفائي لخدمتي وطاعتي ، خيار مملكتي وخلقي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 20992 - حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة قال : كانوا يجعلون خير أموالهم لآلهتهم في الجاهلية . فإذا كان معنى ذلك كذلك ، فلا شك أن ما من قوله : ويختار ما كان لهم الخيرة في موضع نصب ، بوقوع يختار عليها ، وأنها بمعنى الذي . فإن قال قائل : فإن كان الامر كما وصفت ، من أن ما اسم منصوب بوقوع قوله يختار عليها ، فأين خبر كان ؟ فقد علمت أن ذلك إذا كان كما قلت ، أن في كان ذكرا من ما ، ولا بد لكان إذا كان كذلك من تمام ، وأين التمام ؟ قيل : إن العرب تجعل لحروف الصفات إذا جاءت الاخبار بعدها أحيانا ، أخبارا ، كفعلها بالأسماء إذا جاءت بعدها أخبارها . ذكر الفراء أن القاسم بن معن أنشده قول عنترة :