محمد بن جرير الطبري

36

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

* ( وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : وما أرسلناك يا محمد إلى من أرسلناك إليه إلا مبشرا بالثواب الجزيل ، من آمن بك وصدقك ، وآمن بالذي جئتهم به من عندي ، وعملوا به ونذيرا من كذبك وكذب ما جئتهم به من عندي ، فلم يصدقوا به ، ولم يعملوا . قل ما أسألكم عليه من أجر يقول له : قل لهؤلاء الذين أرسلتك إليهم ، ما أسألكم يا قوم على ما جئتكم به من عند ربي أجرا ، فتقولون : إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه ، فلا نتبعه فيه ، ولا نعطيه من أموالنا شيئا . إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا يقول : لكن من شاء منكم اتخذ إلى ربه سبيلا ، طريقا بإنفاقه من ماله في سبيله ، وفيما يقربه إليه من الصدقة والنفقة في جهاد عدوه ، وغير ذلك من سبل الخير . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا ) * . يقول تعالى ذكره : وتوكل يا محمد على الذي له الحياة الدائمة التي لا موت معها . فثق به في أمر ربك ، وفوض إليه ، واستسلم له ، واصبر على ما نابك فيه . قوله : وسبح بحمده يقول : واعبده شكرا منك له على ما أنعم به عليك . قوله : وكفى به بذنوب عباده خبيرا يقول : وحسبك بالحي الذي لا يموت خابرا بذنوب خلقه ، فإنه لا يخفى عليه شئ منها ، وهو محص جميعها عليهم حتى يجازيهم بها يوم القيامة . القول في تأويل قوله تعالى : * ( الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا ) * . يقول تعالى ذكره : وتوكل على الحي الذي لا يموت الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام فقال : وما بينهما ، وقد ذكر السماوات والأرض ، والسماوات جماع ، لأنه وجه ذلك إلى الصنفين والشيئين ، كما قال القطامي :