محمد بن جرير الطبري

162

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

سأتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون * فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين ) * . يقول تعالى ذكره : وإنك يا محمد لتحفظ القرآن وتعلمه من لدن حكيم عليم يقول : من عند حكيم بتدبير خلقه ، عليم بأنباء خلقه ومصالحهم ، والكائن من أمورهم ، والماضي من أخبارهم ، والحادث منها . إذ قال موسى وإذ من صلة عليم . ومعنى الكلام : عليم حين قال موسى لأهله وهو في مسيره من مدين إلى مصر ، وقد آذاهم برد ليلهم لما أصلد زنده : إني آنست نارا : أي أبصرت نارا أو أحسستها ، فامكثوا مكانكم سأتيكم منها بخبر يعني من النار ، والهاء والألف من ذكر النار أو آتيكم بشهاب قبس . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة : بشهاب قبس بإضافة الشهاب إلى القبس ، وترك التنوين ، بمعنى : أو آتيكم بشعلة نار أقتبسها منها . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة : بشهاب قبس بتنوين الشهاب وترك إضافته إلى القبس ، يعني : أو آتيكم بشهاب مقتبس . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وكان بعض نحويي البصرة يقول : إذا جعل القبس بدلا من الشهاب ، فالتنوين في الشهاب ، وإن أضاف الشهاب إلى القبس ، لم ينون الشهاب . وقال بعض نحويي الكوفة : إذا أضيف الشهاب إلى القبس فهو بمنزلة قوله ولدار الآخرة مما يضاف إلى نفسه إذا اختلف أسماه ولفظاه توهما بالثاني أنه غير الأول . قال : ومثله حبة الخضراء ، وليلة القمراء ، ويوم الخميس وما أشبهه . وقال آخر منهم : إن كان الشهاب هو القبس لم تجز الإضافة ، لان القبس نعت ، ولا يضاف الاسم إلى نعته إلا في قليل من الكلام ، وقد جاء : ولدار الآخرة وللدار الآخرة . والصواب من القول في ذلك أن الشهاب إذا أريد به أنه غير القبس ، فالقراءة فيه بالإضافة ، لان معنى الكلام حينئذ ، ما بينا من أنه شعلة قبس ، كما قال الشاعر :