محمد بن جرير الطبري

161

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وفي قوله : هدى وبشرى وجهان من العربية : الرفع على الابتداء بمعنى : هو هدى وبشرى . والنصب على القطع من آيات القرآن ، فيكون معناه : تلك آيات القرآن الهدى والبشرى للمؤمنين ، ثم أسقطت الألف واللام من الهدى والبشرى ، فصارا نكرة ، وهما صفة للمعرفة فنصبا . وقوله : الذين يقيمون الصلاة يقول : هو هدى وبشرى لمن آمن بها ، وأقام الصلاة المفروضة بحدودها . وقوله : ويؤتون الزكاة يقول : ويؤدون الزكاة المفروضة . وقيل : معناه : ويطهرون أجسادهم من دنس المعاصي . وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وهم بالآخرة هم يوقنون يقول : وهم مع إقامتهم الصلاة ، وإيتائهم الزكاة الواجبة ، بالمعاد إلى الله بعد الممات يوقنون ، فيذلون في طاعة الله ، رجاء جزيل ثوابه ، وخوف عظيم عقابه ، وليسوا كالذين يكذبون بالبعث ، ولا يبالون ، أحسنوا أم أساءوا ، وأطاعوا أم عصوا ، لأنهم إن أحسنوا لم يرجوا ثوابا ، وإن أساءوا لم يخافوا عقابا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون * أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون ) * . يقول تعالى ذكره : إن الذين لا يصدقون بالدار الآخرة ، وقيام الساعة ، وبالمعاد إلى الله بعد الممات والثواب والعقاب زينا لهم أعمالهم يقول : حببنا إليهم قبيح أعمالهم ، وسهلنا ذلك عليهم فهم يعمهون يقول : فهم في ضلال أعمالهم القبيحة التي زيناها لهم ترددون حيارى ، يحسبون أنهم يحسنون . ] وقوله : أولئك الذين لهم سوء العذاب يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة لهم سوء العذاب في الدنيا ، وهم الذين قتلوا ببدر من مشركي قريش وهم في الآخرة هم الأخسرون يقول : وهم يوم القيامة هم الأوضعون تجارة والأوكسوها باشترائهم الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم * إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا