محمد بن جرير الطبري
104
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
* ( قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) * . يقول تعالى ذكره : قال إبراهيم لهم : هل تسمع دعاءكم هؤلاء الآلهة إذ تدعونهم ؟ واختلف أهل العربية في معنى ذلك : فقال بعض نحويي البصرة معناه : هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ، فحذف الدعاء ، كما قال زهير : القائد الخيل منكوبا دوابرها * قد أحكمت حكمات القد والأبقا وقال : يريد أحكمت حكمات الآبق ، فألقى الحكمات وأقام الآبق مقامها . وقال بعض من أنكر ذلك من قوله من أهل العربية : الفصيح من الكلام في ذلك هو ما جاء في القرآن ، لان العرب تقول : سمعت زيدا متكلما ، يريدون : سمعت كلام زيد ، ثم تعلم أن السمع لا يقع على الأناسي ، إنما يقع على كلامهم ثم يقولون : سمعت زيدا : أي سمعت كلامه ، قال : ولو لم يقدم في بيت زهير حكمات القد لم يجز أن يسبق بالآبق عليها ، لأنه لا يقال : رأيت الآبق ، وهو يريد الحكمة . وقوله : أو ينفعونكم أو يضرون يقول : أو تنفعكم هذه الأصنام ، فيرزقونكم شيئا على عبادتكموها ، أو يضرونكم فيعاقبونكم على ترككم عبادتها بأن يسلبوكم أموالكم ، أو يهلكوكم إذا هلكتم وأولادكم قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون . وفي الكلام متروك استغني بدلالة ما ذكر عما ترك ، وذلك جوابهم إبراهيم عن مسألته إياهم : هل يسمعونكم إذ تدعون ، أو ينفعونكم أو يضرون فكان جوابهم إياه : لا ، ما يسمعوننا إذا دعوناهم ، ولا ينفعوننا ولا يضرون ، يدل على أنهم بذلك أجابوه . قولهم : بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون وذلك رجوع عن مجحود ، كقول القائل : ما كان كذا بل كذا وكذا ، ومعنى قولهم : وجدنا آباءنا كذلك يفعلون وجدنا من قبلنا ولا يضرون ، يدل على أنهم بذلك أجابوه . قولهم من آبائنا يعبدونها ويعكفون عليها لخدمتها وعبادتها ، فنحن نفعل ذلك اقتداء بهم ، واتباعا لمنهاجهم . القول في تأويل قوله تعالى :