محمد بن جرير الطبري

64

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقد بينت فيما مضى السحر : أنه تخييل الشئ إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته ، فذلك معنى قوله : فأنى تسحرون إنما معناه : فمن أي وجه يخيل إليكم الكذب حقا والفاسد صحيحا ، فتصرفون عن الاقرار بالحق الذي يدعوكم إليه رسولنا محمد ( ص ) . القول في تأويل قوله تعالى : * ( بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ئ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ئ عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون ) * . يقول : ما الامر كما يزعم هؤلاء المشركون بالله من أن الملائكة بنات الله وأن الآلهة والأصنام آلهة دون الله . بل أتيناهم بالحق اليقين ، وهو الدين الذي ابتعث الله به نبيه ( ص ) ، وذلك الاسلام ، ولا يعبد شئ سوى الله لأنه لا إله غيره . وإنهم لكاذبون يقول : وإن المشركين لكاذبون فيما يضيفون إلى الله وينحلونه من الولد والشريك . وقوله : ما اتخذ الله من ولد يقول تعالى ذكره : ما لله من ولد ، ولا كان معه في القديم ولا حين ابتدع الأشياء من تصلح عبادته ، ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته من إله إذا لذهب يقول : إذن لاعتزل كل إله منهم بما خلق من شئ ، فانفرد به ، ولتغالبوا ، فلعلا بعضهم على بعض ، وغلب القوي منهم الضعيف لان القوي لا يرضى أن يعلوه ضعيف ، والضعيف لا يصلح أن يكون إلها . فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها لمن عقل وتدبر وقوله : إذا لذهب جواب لمحذوف ، وهو : لو كان معه إله إذن لذهب كل إله بما خلق اجتزئ بدلالة ما ذكر عليه عنه ، وقوله : سبحان الله عما يصفون يقول تعالى ذكره : تنزيها لله عما يصفه به هؤلاء المشركون من أن له ولدا ، وعما قالوه من أن له شريكا ، أو أن معه في القدم إلها يعبد ، تبارك وتعالى . وقوله : عالم الغيب والشهادة يقول تعالى ذكره : هو عالم ما غاب عن خلقه من الأشياء ، فلم يروه ولم يشاهدوه ، وما رأوه وشاهدوه . إنما هذا من الله خبر عن هؤلاء الذين قالوا من المشركين : اتخذ الله ولدا وعبدوا من دونه آلهة ، أنهم فيما يقولون ويفعلون مبطلون مخطئون ، فإنهم يقولون ما يقولون من قول في ذلك عن غير علم ، بل عن جهل منهم به وإن العالم بقديم الأمور وبحديثها وشاهدها وغائبها عنهم ، الله الذي لا يخفى