محمد بن جرير الطبري
65
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
عليه شئ ، فخبره هو الحق دون خبرهم . وقال : عالم الغيب فرفع على الابتداء ، بمعنى : هو عالم الغيب ، ولذلك دخلت الفاء في قوله : فتعالى كما يقال : مررت بأخيك المحسن فأحسنت إليه ، فترفع المحسن إذا جعلت فأحسنت إليه بالفاء ، لان معنى الكلام إذا كان كذلك : مررت بأخيك هو المحسن ، فأحسنت إليه . ولو جعل الكلام بالواو فقيل : وأحسنت إليه ، لم يكن وجه الكلام في المحسن إلا الخفض على النعت للأخ ، ولذلك لو جاء فتعالى بالواو كان وجه الكلام في عالم الغيب الخفض على الاتباع لاعراب اسم الله ، وكان يكون معنى الكلام : سبحان الله عالم الغيب والشهادة وتعالى فيكون قوله : وتعالى حينئذ معطوفا على سبحان الله . وقد يجوز الخفض مع الفاء ، لان العرب قد تبدأ الكلام بالفاء ، كابتدائها بالواو . وبالخفض كان يقرأ : عالم الغيب في هذا لموضع أبو عمرو ، وعلى خلافه في ذلك قراءة الأمصار . والصواب من القراءة في ذلك عندنا : الرفع ، لمعنيين : أحدهما : إجماع الحجة من القراء عليه ، والثاني : صحته في العربية . ) وقوله : فتعالى عما يشركون يقول تعالى ذكره : فارتفع الله وعلا عن شرك هؤلاء المشركين ، ووصفهم إياه بما يصفون . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قل رب إما تريني ما يوعدون ئ رب فلا تجعلني في القوم الظالمين وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : قل يا محمد : رب إن تريني في هؤلاء المشركين ما تعدهم من عذابك فلا تهلكني بما تهلكهم به . ونجني من عذابك وسخطك فلا تجعلني في القوم المشركين ولكن اجعلني ممن رضيت عنه من أوليائك . وقوله : فلا تجعلني جواب لقوله : إما تريني اعترض بينهما بالنداء ، ولو لم يكن قبله جزاء لم يجز ذلك في الكلام ، لا يقال : يا زيد فقم ، ولا يا رب فاغفر ، لان النداء مستأنف ، وكذلك الامر بعده مستأنف ، لا تدخله الفاء والواو ، إلا أن يكون جوابا لكلام قبله . وقوله : وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون يقول تعالى ذكره : وإنا يا محمد على أن نريك في هؤلاء المشركين ما نعدهم من تعجيل العذاب لهم ، لقادرون ، فلا يحزننك تكذيبهم إياك بما نعدهم به ، وإنما نؤخر ذلك ليبلغ الكتاب أجله . القول في تأويل قوله تعالى :