محمد بن جرير الطبري

38

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يقول تعالى ذكره : وقلنا لعيسى : يا أيها الرسل كلوا من الحلال الذي طيبه الله لكم دون الحرام ، واعملوا صالحا تقول في الكلام للرجل الواحد : أيها القوم كفوا عنا أذاكم ، وكما قال : الذين قال لهم الناس ، وهو رجل واحد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل ، قال : ثني عبيد بن إسحاق الضبي العطار ، عن حفص بن عمر الفزاري ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن عمرو بن شرحبيل : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا قال : كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه . وقوله : إني بما تعملون عليم يقول : إني بأعمالكم ذو علم ، لا يخفى علي منها شئ ، وأنا مجازيكم بجميعها ، وموفيكم أجوركم وثوابكم عليها ، فخذوا في صالحات الأعمال واجتهدوا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) * . اختلفت القراء في قراءة قوله : وإن هذه أمتكم أمة واحدة ، فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة : وأن بالفتح ، بمعنى : إني بما تعملون عليم ، وأن هذه أمتكم أمة واحدة . فعلى هذا التأويل أن في موضع خفض ، عطف بها على ما من قوله : بما تعملون ، وقد يحتمل أن تكون في موضع نصب إذا قرئ ذلك كذلك ، ويكون معنى الكلام حينئذ : واعلموا أن هذه ، ويكون نصبها بفعل مضمر وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين بالكسر : وإن هذه على الاستئناف . والكسر في ذلك عندي على الابتداء هو الصواب ، لان الخبر من الله عن قيله لعيسى : يا أيها الرسل مبتدأ ، فقوله : وإن هذه مردود عليه عطفا به عليه فكان معنى الكلام : وقلنا لعيسى : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ، وقلنا : وإن هذه أمتكم أمة واحدة وقيل : إن الأمة الذي في هذا الموضع : الدين والملة . ذكر من قال ذلك :