محمد بن جرير الطبري

25

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار : رب أنزلني منزلا مباركا بضم الميم وفتح الزاي ، بمعنى : أنزلني إنزالا مباركا . وقرأه عاصم : منزلا بفتح الميم وكسر الزاي ، بمعنى : أنزلني مكانا مباركا وموضعا . وقوله : إن في ذلك لآيات يقول تعالى ذكره : إن فيما فعلنا بقوم نوح يا محمد من إهلاكناهم إذ كذبوا رسلنا وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام ، لعبرا لقومك من مشركي قريش ، وعظات وحججا لنا ، يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم ، فينزجروا عن كفرهم ويرتدعوا عن تكذيبك ، حذرا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب . وقوله : وإن كنا لمبتلين يقول تعالى ذكره : وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا ، لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ئ فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ) * . يقول تعالى ذكره : ثم أحدثنا من بعد مهلك قوم نوح قرنا آخرين فأوجدناهم . فأرسلنا فيهم رسولا منهم داعيا لهم ، إن اعبدوا الله يا قوم ، وأطيعوه دون الآلهة والأصنام ، فإن العبادة لا تنبغي إلا له . ما لكم من إله غيره يقول : ما لكم من معبود يصلح أن تعبدوا سواه . أفلا تتقون : أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم شيئا دونه ، وهو الاله الذي لا إله لكم سواه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ) * . يقول تعالى ذكره : وقالت الاشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح . وعنى بالرسول في هذا الموضع : صالحا ، وبقومه : ثمود . الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة يقول : الذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بلقاء الآخرة يعني كذبوا بلقاء الله في الآخرة .