محمد بن جرير الطبري

26

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقوله : وأترفناهم في الحياة الدنيا يقول : ونعمناهم في حياتهم الدنيا بما وسعنا عليهم من المعاش وبسطنا لهم من الرزق ، حتى بطروا وعتوا على ربهم وكفروا ومنه قول الراجز : وقد أراني بالديار مترفا وقوله : ما هذا إلا بشر مثلكم يقول : قالوا : بعث الله صالحا إلينا رسولا من بيننا ، وخصه با لرسالة دوننا ، وهو انسان مثلنا يأكل مما نأكل منه من الطعام ويشرب مما نشرب ، وكيف لم يرسل ملكا من عنده يبلغنا رسالته ؟ قال : ويشرب مما تشربون معناه : مما تشربون منه ، فحذف من الكلام منه ، لان معنى الكلام : ويشرب من شرابكم ، وذلك أن العرب تقول : شربت من شرابك . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ئ أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ) * . يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملا من قوم صالح لقومهم : ولئن أطعمتم بشرا مثلكم فاتبعتموه وقبلتم ما يقول وصدقتموه . إنكم أيها القوم إذا لخاسرون : يقول : قالوا : إنكم إذن لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة في الدنيا ، باتباعكم إياه . قوله : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما . . . الآية ، يقول تعالى ذكره : قالوا لهم : أيعدكم صالح أنكم إذا متم وكنتم ترابا في قبوركم وعظاما قد ذهبت لحوم أجسادكم وبقيت عظامها ، أنكم مخرجون من قبوركم أحياء كما كنتم قبل مماتكم ؟ وأعيدت أنكم مرتين ، والمعنى : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما مخرجون مرة واحدة ، لما فرق بين أنكم الأولى وبين خبرها ب إذا ، وكذلك تفعل العرب بكل اسم أوقعت عليه الظن وأخواته ، ثم اعترضت بالجزاء دون خبره ، فتكرر اسمه مرة وتحذفه أخرى ، فتقول : أظن أنك إن جالستنا أنك محسن ، فإن حذفت أنك الأولى الثانية صلح ، وإن أثبتهما