محمد بن جرير الطبري
73
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ذلك أبو جعفر يزيد بن القعقاع : لتحصنكم بالتاء ، بمعنى : لتحصنكم الصنعة ، فأنث لتأنيث الصنعة . وقرأ شيبة بن نصاح وعاصم بن أبي النجود : لنحصنكم بالنون ، بمعنى : لنحصنكم نحن من بأسكم . قال أبو جعفر : وأولى القراءات في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه بالياء ، لأنها القراءة التي عليها الحجة من قراء الأمصار ، وإن كانت القراءات الثلاث التي ذكرناها متقاربات المعاني وذلك أن الصنعة هي اللبوس ، واللبوس هي الصنعة ، والله هو المحصن به من البأس ، وهو المحصن بتصيير الله إياه كذلك . ومعنى قوله : ليحصنكم ليحرزكم ، وهو من قوله : قد أحصن فلان جاريته . وقد بينا معنى ذلك بشواهده فيما مضى قبل . والبأس : القتال ، وعلمنا داود صنعة سلاح لكم ليحرزكم إذا لبستموه ولقيتم فيه أعداءكم من القتل . وقوله : فهل أنتم شاكرون يقول : فهل أنتم أيها الناس شاكرو الله على نعمته عليكم بما علمكم من صنعة اللبوس المحصن في الحرب وغير ذلك من نعمه عليكم ، يقول : فاشكروني على ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شئ عالمين ) * . يقول تعالى ذكره : وسخرنا لسليمان بن داود الريح عاصفة وعصوفها : شدة هبوبها تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها يقول : تجري الريح بأمر سليمان إلى الأرض التي باركنا فيها يعني : إلى الشام وذلك أنها كانت تجري بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء سليمان ، ثم تعود به إلى منزله بالشام ، فلذلك قيل : إلى الأرض التي باركنا فيها . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه قال : كان سليمان إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير ، وقام له الجن والإنس حتى يجلس إلى سريره . وكان امرءا غزاء ، قلما يقعد عن الغزو ، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله . وكان فيما يزعمون إذا أراد الغزو ، أمر بعسكره فضرب له بخشب ، ثم نصب له على الخشب ، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة