محمد بن جرير الطبري

254

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية لأنه لا وجه لان يقال : لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة ، أو تأتيهم الساعة وذلك أن الساعة هي يوم القيامة ، فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف الألفاظ ، وذلك ما لا معنى له . فإذ كان ذلك كذلك ، فأولى التأويلين به أصحهما معنى وأشبههما بالمعروف في الخطاب ، وهو ما ذكرناه من معناه . فتأويل الكلام إذن : ولا يزال الذين كفروا في مرية منه ، حتى تأتيهم الساعة بغتة فيصيروا إلى العذاب الدائم ، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم له فلا ينظر وا فيه إلى الليل ولا يؤخروا فيه إلى المساء ، لكنهم يقتلون قبل المساء . القول في تأويل قوله تعالى : * ( الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم ئ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين ) * . يقول تعالى ذكره : السلطان والملك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا ينازعه يومئذ منازع وقد كان في الدنيا ملوك يدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعي ملكا سواه . يحكم بينهم يقول : يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين . فالذين آمنوا بهذا القرآن ، وبمن أنزله ، ومن جاء به ، وعملوا بما فيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه في جنات النعيم يومئذ . والذين كفروا بالله ورسوله ، وكذبوا بآيات كتابه وتنزيله ، وقالوا : ليس ذلك من عند الله ، إنما هو إفك افتراه محمد وأعانه عليه قوم آخرون فأولئك لهم عذاب مهين يقول : فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامة عذاب مهين ، يعني عذاب مذل في جهنم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ) * . يقول تعالى ذكره : والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم فتركوا ذلك في رضا الله وطاعته وجهاد أعدائه ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك ، ليرزقنهم الله يوم القيامة في جناته رزقا