محمد بن جرير الطبري

235

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسين الأشيب ، قال : ثنا أبو جعفر عيسى بن ماهان ، الذي يقال له الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر قال : كان أمرهم بالمعروف أنهم دعوا إلى الاخلاص لله وحده لا شريك له ونهيهم عن المنكر أنهم نهوا عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان . قال : فمن دعا إلى الله من الناس كلهم فقد أمر بالمعروف ، ومن نهى عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان فقد نهى عن المنكر . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود ئ وقوم إبراهيم وقوم لوط ئ وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ) * . يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا ( ص ) عما يناله من أذى المشركين بالله ، وحاضا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السب والتكذيب . وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما أتيتهم به من الحق والبرهان ، وما تعدهم من العذاب على كفرهم بالله ، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم من قبلهم ، فلا يصدنك ذلك ، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك ، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الامهال إلى بلوغ الآجال . فقد كذبت قبلهم يعني مشركي قريش قوم نوح ، وقوم عاد وثمود ، وقوم إبراهيم ، وقوم لوط ، وأصحاب مدين ، وهم قوم شعيب . يقول : كذب كل هؤلاء رسلهم . وكذب موسى فقيل : وكذب موسى ولم يقل : وقوم موسى ، لان قوم موسى بنو إسرائيل ، وكانت قد استجابت له ولم تكذبه ، وإنما كذبه فرعون وقومه من القبط . وقد قيل : إنما قيل ذلك كذلك لأنه ولد فيهم كما ولد في أهل مكة . وقوله : فأمليت للكافرين يقول : فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم ، فلم أعاجلهم بالنقمة والعذاب . ثم أخذتهم يقول : ثم أحللت بهم العقاب بعد الاملاء