محمد بن جرير الطبري

236

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

فكيف كان نكير يقول : فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة وتنكري لهم عما كنت عليه من الاحسان إليهم ، ألم أبدلهم بالكثرة قلة وبالحياة موتا وهلاكا وبالعمارة خرابا ؟ يقول : فكذلك فعلي بمكذبيك من قريش ، وإن أمليت لهم إلى آجالهم ، فإني منجزك وعدي فيهم كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم ، فأهلكناهم وأنجيتهم من بين أظهرهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ) * . يقول تعالى ذكره : وكم يا محمد من قرية أهلكت أهلها وهم ظالمون يقول : وهم يعبدون غير من ينبغي أن يعبد ، ويعصون من لا ينبغي لهم أن يعصوه . وقوله : فهي خاوية على عروشها يقول : فباد أهلها وخلت ، وخوت من سكانها ، فخربت وتداعت ، وتساقطت على عروشها يعني على بنائها وسقوفها . كما : حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا أبو خالد ، عن جويبر ، عن الضحاك : فهي خاوية على عروشها قال : خواؤها : خرابها ، وعروشها : سقوفها . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : خاوية قال : خربة ليس فيها أحد . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة . مثله . وقوله : وبئر معطلة يقول تعالى : فكأين من قرية أهلكناها ، ومن بئر عطلناها ، بإفناء أهلها وهلاك وارديها ، فاندفنت وتعطلت ، فلا واردة لها ولا شاربة منها . ومن قصر مشيد رفيع بالصخور والجص ، قد خلا من سكانه ، بما أذقنا أهله من عذابنا بسوء فعالهم ، فبادوا وبقي قصورهم المشيدة خالية منهم . والبئر والقصر مخفوضان بالعطف على القرية . وكان بعض نحويي الكوفة يقول : هما معطوفان على العروش بالعطف عليها خفضا ، وإن لم يحسن فيهما ، على أن العروش أعالي البيوت والبئر في الأرض ، وكذلك القصر لان القرية لم تخو على القصر ، ولكنه أتبع بعضه بعضا كما قال : وحور عين كأمثال اللؤلؤ فمعنى الكلام على ما قال هذا الذي ذكرنا قوله في ذلك : فكأين من قرية