محمد بن جرير الطبري
234
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
فعل آخر ، كأنه قال : وتركت صلوات . وقال بعضهم : إنما يعني : مواضع الصلوات . وقال بعضهم : إنما هي صلوات ، وهي كنائس اليهود ، تدعى بالعبرانية : صلوتا . وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك : لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى ، وصلوات اليهود ، وهي كنائسهم ، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرا . وإنما قلنا هذا القول أولى بتأويل ذلك لان ذلك هو المعروف في كلام العرب المستفيض فيهم ، وما خالفه من القول وإن كان له وجه فغير مستعمل فيما وجهه إليه من وجهه إليه . وقوله : ولينصرن الله من ينصره يقول تعالى ذكره : وليعينن الله من يقاتل في سبيله ، لتكون كلمته العليا على عدوه فنصر الله عبده : معونته إياه ، ونصر العبد ربه : جهاده في سبيله ، لتكون كلمته العليا . وقوله : إن الله لقوي عزيز يقول تعالى ذكره : إن الله لقوي على نصر من جاهد في سبيله من أهل ولايته وطاعته ، عزيز في ملكه ، يقول : منيع في سلطانه ، لا يقهره قاهر ، ولا يغلبه غالب . القول في تأويل قوله تعالى : * ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) * . يقول تعالى ذكره : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة . والذين ها هنا رد على الذين يقاتلون . ويعني بقوله : إن مكناهم في الأرض إن وطنا لهم في البلاد ، فقهروا المشركين وغلبوهم عليها ، وهم أصحاب رسول الله ( ص ) . يقول : إن نصرناهم على أعدائهم وقهروا مشركي مكة ، أطاعوا الله ، فأقاموا الصلاة بحدودها وآتوا الزكاة يقول : وأعطوا زكاة أموالهم من جعلها الله له . وأمروا بالمعروف يقول : ودعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته وما يعرفه أهل الايمان بالله . ونهوا عن المنكر يقول : ونهوا عن الشرك بالله والعمل بمعاصيه ، الذي ينكره أهل الحق والايمان بالله . ولله عاقبة الأمور يقول : ولله آخر أمور الخلق ، يعني : أن إليه مصيرها في الثواب عليها والعقاب في الدار الآخرة .