محمد بن جرير الطبري
129
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال : عني بقوله : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ما كان من معبود كان المشركون يعبدونه والمعبود لله مطيع وعابدوه بعبادتهم إياه بالله كفار لان قوله تعالى ذكره : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ابتداء كلام محقق لأمر كان ينكره قوم ، على نحو الذي ذكرنا في الخبر عن ابن عباس ، فكأن المشركين قالوا لنبي الله ( ص ) إذ قال لهم : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم : ما الامر كما تقول ، لأنا نعبد الملائكة ، ويعبد آخرون المسيح وعزيرا . فقال عز وجل ردا عليهم قولهم : بل ذلك كذلك ، وليس الذين سبقت لهم منا الحسنى هم عنها مبعدون ، لأنهم غير معنيين بقولنا : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم . فأما قول الذين قالوا ذلك استثناء من قوله : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم فقول لا معنى له لان الاستثناء إنما هو اخراج المستثنى من المستثنى منه ، ولا شك أن الذين سبقت لهم منا الحسنى إنما هم إما ملائكة وإما إنس أو جان ، وكل هؤلاء إذا ذكرتها العرب فإن أكثر ما تذكرها ب من لا ب ما ، والله تعالى ذكره إنما ذكر المعبودين الذين أخبر أنهم حصب جهنم ب ما ، قال : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم إنما أريد به ما كانوا يعبدونه من الأصنام والآلهة من الحجارة والخشب ، لا من كان من الملائكة والانس . فإذا كان ذلك كذلك لما وصفنا ، فقوله : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى جواب من الله للقائلين ما ذكرنا من المشركين مبتدأ . وأما الحسنى فإنها الفعلي من الحسن ، وإنما عني بها السعادة السابقة من الله لهم . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى قال : الحسنى : السعادة . وقال : سبقت السعادة لأهلها من الله ، وسبق الشقاء لأهله من الله . القول في تأويل قوله تعالى : * ( لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ) * . يقول تعالى ذكره : لا يسمع هؤلاء الذين سبقت لهم منا الحسنى حسيس النار ، ويعني بالحسيس : الصوت والحس . فإن قال قائل : فكيف لا يسمعون حسيسها ، وقد علمت ما روي من أن جهنم يؤتي بها يوم القيامة فتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفا منها ؟ قيل : إن الحال التي لا يسمعون فيها حسيسها هي غير تلك الحال ، بل هي الحال التي :