محمد بن جرير الطبري
111
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
عمران . ويعني بقوله : أحصنت : حفظت ، ومنعت فرجها مما حرم الله عليها إباحته فيه . واختلف في الفرج الذي عنى الله جل ثناؤه أنها أحصنته ، فقال بعضهم : عنى بذلك فرج نفسها أنها حفظته من الفاحشة . وقال آخرون : عنى بذلك جيب درعها أنها منعت جبرئيل منه قبل أن تعلم أنه رسول ربها وقبل أن تثبته معرفة . قالوا : والذي يدل على ذلك قوله : فنفخنا فيها ويعقب ذلك قوله : والتي أحصنت فرجها قالوا : وكان معلوما بذلك أن معنى الكلام : والتي أحصنت جيبها فنفخنا فيها من روحنا . قال أبو جعفر : والذي هو أولى القولين عندنا بتأويل ذلك قول من قال : أحصنت فرجها من الفاحشة لان ذلك هو الأغلب من معنييه عليه والأظهر في ظاهر الكلام . فنفخنا فيها من روحنا يقول : فنفخنا في جيب درعها من روحنا . وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في معنى قوله : فنفخنا فيها في غير هذا الموضع والأولى بالصواب من القول في ذلك فيما مضى بما أغني عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : وجعلناها وابنها آية للعالمين يقول : وجعلنا مريم وابنها عبرة لعالمي زمانهما يعتبرون بهما ويتفكرون في أمرهما ، فيعلمون عظيم سلطاننا وقدرتنا على ما نشاء وقيل آية ولم يقل آيتين وقد ذكر آيتين لان معنى الكلام : جعلناهما علما لنا وحجة ، فكل واحدة منهما في معنى الدلالة على الله وعلى عظيم قدرته يقوم مقام الآخر ، إذ كان أمرهما في الدلالة على الله واحدا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) * . يقول تعالى ذكره : إن هذه ملتكم ملة واحدة ، وأنا ربكم أيها الناس فاعبدون دون الآلهة والأوثان وسائر ما تعبدون من دوني . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :