محمد بن جرير الطبري
11
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
* ( وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين ئ فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون ) * . يقول تعالى ذكره : وكثيرا قصمنا من قرية . والقصم : أصله الكسر ، يقال منه : قصمت ظهر فلان إذا كسرته ، وانقصمت سنه : إذا انكسرت . وهو ههنا معني به أهلكنا ، وكذلك تأوله أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وكم قصمنا قال : أهلكنا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : وكم قصمنا من قرية قال : أهلكناها . قال ابن جريج : قصمنا من قرية ، قال : باليمن ، قصمنا ، بالسيف أهلكوا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله : قصمنا من قرية قال : قصمها أهلكها . وقوله : من قرية كانت ظالمة أجرى الكلام على القرية ، والمراد بها أهلها لمعرفة السامعين بمعناه . وكأن ظلمها كفرها بالله وتكذيبها رسله . وقوله : وأنشأنا بعدها قوما آخرين يقول تعالى ذكره : وأحدثنا بعد ما أهلكنا هؤلاء الظلمة من أهل هذه القرية التي قصمناها بظلمها قوما آخرين سواهم . وقوله : فلما أحسوا بأسنا يقول : فلما عاينوا عذابنا قد حل بهم ورأوه قد وجدوا مسه ، يقال منه : قد أحسست من فلان ضعفا ، وأحسته منه . إذا هم منها يركضون يقول : إذا هم مما أحسوا بأسنا النازل بهم يهربون سراعا عجلى يعدون منهزمين ، يقال منه : ركض فلان فرسه : إذا كده بسياقته . القول في تأويل قوله تعالى : * ( لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون ) * . يقول تعالى ذكره : لا تهربوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه : يقول : إلى ما أنعمتم فيه من عيشتكم ومساكنكم كما :